اليهود ومسيحيّو المشرق (1/2)

ترجمة هنا لبنان 10 أيار, 2026

كتب Amine Jules Iskandar لـ”Ici Beyrouth”:

في كتابه “اليهوديّة والمسيحيّة”، يتساءل الأب بول سعادة عن الأسباب الّتي أدّت إلى القطيعة في ما كان يُفترض أن يبقى موحّدًا، في التاريخ كما في المصير. ويتوقّف عند ما يعتبره القطيعة الأولى الّتي تسبّبت بها عقيدة الاستبدال.

“إيقورو دي لِفنون مِتيهف لِه. مجد لبنان أُعطيَ له” (إشعيا 35: 2). وفي الوقت الّذي تحمل فيه شعارات الكنيسة المارونية هذا المقطع من العهد القديم، وتتجاور فيه العبريّة والسريانيّة كلغتيْن شقيقتيْن، نشأت قطيعة مصطنعة فصلت بين تقليديْن متجذّريْن في مشرقٍ متوسطيٍّ واحدٍ، ويهوديٍّ – مسيحيٍّ.

ومن أحد أبرز أعمال الفن المسيحيّ، وهو “الإنجيل المارونيّ” (Codex Rabulensis) عام 586، وصولًا إلى جداريّات كنائس جبل لبنان في العصور الوسطى، تشهد الأيقونات على تلازم بين التقاليد المسيحيّة، وتقاليد العهد القديم. إذ تُخصَّص الطبقة العليا في صفحات المخطوطات، كما في محاريب الكنائس، لمشاهد من العهد القديم، تعلوها تمثيلات لأحداث الأناجيل.

ولم يحتفظ التاريخ الرسميّ والانتقائيّ للبنان الكبير، من “كليّة الموارنة في روما” الّتي تأسّست عام 1584، سوى بإسهام علمائها في تعليم اللغة العربيّة، في حين كانوا أيضًا من أبرز أساتذة السريانيّة والعبريّة.

العهد القديم

ترتبط التقاليد اليهوديّة والمارونيّة بصلاتٍ عميقةٍ منذ نشأتها، وتمتدّ حتّى إلى أصل المفاهيم التأسيسية، إذ يفتتح العهدان زمن “برشيت”، أي البدء. ففي اليهوديّة، يردُ في سفر التكوين: “بِرِشِيت بَرأ إلوهيم إت هَشّمايم وَإت هَأرِتس” (“في البدء خلق الله السماوات والأرض”). ويعلن إنجيل يوحنّا في التقليد المارونيّ: “بِرشيت إيتاوُو مِلْتو” (“في البدء كانت الكلمة”).

يتألّف القدّاس المارونيّ من قسميْن: يُعلن الأول الكلمة المكسورة (قوصي لملتو)، ويشهد الثاني على كسر الخبز (قوصي للَحمو) وصولًا إلى سرّ الافخارستيا. ويبدأ كلّ قسم بإنشاد المزامير، “مزمور” بالعبريّة و”مزمورو” بالسريانيّة. فيفتتح القسم الأول بالآية (مز 5: 7): “أدخل إلى بيتك يا ربّ، وأسجد في هيكل قدسك”، ويبدأ القسم الثاني بالآية (مز 43: 4)، متبُوعًا بالمزمور (مز 5: 8–9): “أتقدّم إلى مذبح الله، إلى الله الّذي يبهج شبابي”.

ترانيم مارونيّة

بينما يحظّر القانون اللبنانيّ، منذ عام 1955، استعمال اسم إسرائيل، الّذي استُبدل بتعابير “فلسطين المحتلّة”، أو “العدو الصهيونيّ”، تنطق به الترانيم المارونيّة في مقام التكريم. فالترنيمة الّتي تُرتّل يوم أحد الشعانين في مختلف أنحاء لبنان تمجّد المسيح، ابن داود وملك إسرائيل. ويُنشد الشعب، مستعيدًا إنجيليْ القديس يوحنّا والقديس متّى: أوشعنا لبره دداود، أوشعنا للمَلكو دإسرائيل (هوشعنا لابن داود – مت 21، 9) (هوشعنا لملك إسرائيل – يو 12، 13).

أمّا الترنيمة الّتي ترافق دخول البطريرك، أو الأسقف إلى الكنيسة، فتمجّد أورشليم وصهيون بحسب المزمور 147 (12): شبح أورشليم لمرْيو، شبح لألوهك صهيون (مجّدي الرب يا أورشليم، سبّحي إلهك يا صهيون).

اليهوديّة والمسيحيّة

في كتابه “اليهوديّة والمسيحيّة”، يتساءل الأب سعادة عن الأسباب الّتي أدّت إلى القطيعة في ما كان يُفترض أن يبقى موحّدًا، في التّاريخ كما في المصير. إنّ تاريخهم المشترك منقوش في الكتاب المقدّس، وبفضل الشتات، جعل هؤلاء المشارقة، المسيحيّون واليهود، من أوروبا امتدادًا لهم، ومنحوا أوطانهم الأصليّة طابعًا استثنائيًّا في الشرق.

وقد سلّط البطريرك الماروني أنطونيوس عريضة الضّوء على هذا التشابه اللغويّ، والتّاريخيّ، والروحيّ، في الواحد والعشرين من شهر نيسان 1937، في كنيس “ماغين أبراهام” في بيروت، حين قال: “أبونا هو أبوهم”. ولا تقتصر التقاطعات اللّغوية على أصلٍ مشتركٍ، بل عمّقتها روافد كنعانيّة في السّريانيّة المارونيّة، وتأثيرات آراميّة في اللّغة العبريّة.

على مستوى الإيمان، تجرّأ اليهود على مناداة الله بـ”الآب”، ما أفرز إحدى أسمى الصلوات في المسيحيّة. ويجد “أبينا ملكنا” (Avinou Malkainou) مقابله المارونيّ في “أبونا ملكنا” (Avoun Malkan). كما أنّ “إلوهيم” خلق الإنسان على صورته، ومنحه كرامةً متعاليةً تُشكّل أساس عقيدة الكنيسة الاجتماعيّة.

في المجال الروحيّ، نقلت اليهوديّة فنّ التساؤل إلى المسيحيّة. ومن خلال مفاهيم الانتظار، والوعد، والإعلان، غذّت الرجاء الموجود في صميم الإيمان المسيحيّ. وفي هذا الرجاء، يلتقي مبدأ الوحي عند اليهود بمبدأ التجلّي عند المسيحيّين. ومع ذلك، شيء ما كان قد انكسر.

القطيعة الأولى

بحسب سعادة، رأت الكنيسة، في شموليّتها، أنّها لم تعد بحاجةٍ إلى اليهوديّة. وهكذا، استغنت المسيحيّة المنتصرة عن اليهود، وتوهّمت أنّها مؤسسة قائمة بذاتها. ويرى الكاتب، في عقيدة الاستبدال، أصل القطيعة بين اليهوديّة والمسيحيّة الّتي ظهرت بذورها منذ القرنَيْن الثاني والثالث مع إغناطيوس الأنطاكيّ وأوريجانوس، قبل أن تتبلْور في القرنيْن الرابع والخامس.

يتعارض مثل هذا التصوّر مع أسس المسيحيّة، كما يناقض تعاليم القديس بولس: “لست أنت من يحمل الأصل، بل الأصل هو الّذي يحملك” (رو 11، 18). وبالنسبة إلى سعادة، تجري عمليّة الاتّحاد على التقليد الكتابيّ، “شجرة الشعب اليهوديّ”. ويحذّر القديس بولس المؤمنين المتّحدين من التكبّر على الأغصان الطبيعية، أي الشعب اليهوديّ. فلا توجد، وفق هذا المنظور، سوى شجرة واحدة تشهد على استمراريّة التدبير الإلهيّ، وتبقى الكنيسة متّصلةً بجذورها اليهوديّة.

ومنذ ثمانينيّات القرن الثامن عشر، بدأت الكنيسة الكاثوليكيّة برفض معاداة السامية تدريجيًّا، وفي عام 1791، اعترفت فرنسا باليهود. غير أنّ الوعيَ الحاسم لم يتبلور سوى بعد الهولوكوست (المحرقة). ولم يترسّخ فعليًّا سوى في ستينيّات القرن العشرين مع المجمع الفاتيكانيّ الثاني، حيث لم يعد يُنظر إلى الشعب اليهوديّ كقاتل الله، لا سيّما عبر

الدستوريْن “Dei Verbum” وNostra Aetate” (1965)”.

ومن الضروري إحياء “الكلمة العادلة” في المشرق اليوم، وهي مبادرة وُلدت في أوروبا عام 1935 ردًّا على صحيفة “الكلمة الحرة” المُعادية لليهود. يحتاج المشرق إلى أبراره، “زاديقي” بالسريانيّة، و”صديقيم” بالعبريّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us