ما العمل حين تصبح المآزق حتميّة؟!

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
يشوب المشهد الشرق أوسطيّ مآزق لا مفرّ منها، تتكرّر مهما تبدّلت الديناميّات السياسية القائمة. ويكفي التوقّف عند غياب أشكال التشاور، والوساطة الاقليمية، لإدراك واقع سياسيّ تسوده الاعتباطية، وتتحكّم فيه موازين قوى دائمة التحوّل. ولا جدوى من الإحالة إلى جامعة الدول العربية، أو إلى أي صيغةٍ من صيغ الاتحاد الإقليميّ، ولا حتّى إلى هيئات التحكيم الدوليّ، ما دامت هذه المرجعيات، بحدّ ذاتها، محكومة بكيانات قبلية، أو دينية، أو عسكرية، تفتقر إلى روابط المدنيّة والمواطنة الّتي تقوم عليها دولة القانون. فكيف يمكن أن يؤدّيَ غياب الروابط التمثيلية والانتخابية إلى غير منطق القوة والعنف، كوسيلتَيْ الوساطة والتنظيم في فضاء إقليميّ، يتشكّل على قاعدة نزاعات متشابكة غير معترفٍ بها، وغير قابلةٍ لأيّ تحكيم عقلانيّ؟
بالأساس، تصطدم المفاوضات بين الولايات المتّحدة وإيران بغياب منصّة دبلوماسية، وبنية مرجعية مشتركة، قد تنطلق منها عملية التفاوض. فكيف يمكن أن يتطوّر أي تبادل في غياب قاعدة ناظمة مشتركة؟ إذ من شأن أن يخفّف وجود قاعدة مماثلة من حدّة موازين القوى، ويفتح المجال أمام آليّة تفاوض تقوم على قدرٍ من المعاملة بالمثل أخلاقيًّا، وعلى إدارة النزاعات بطريقة أكثر عقلانية. غير أنّ اعتباطية الإرادات تبقى الإطار الحاكم لديناميّات الصراع في هذه المنطقة من العالم. وما دامت قضايا الملف النوويّ، والممرّات البحرية الدولية، والعقوبات، وحروب الوكالة بأشكالها الأهلية، والدولية، والعابرة للحدود، فضلًا عن أنظمة عَسْكرة النزاعات، تُطرح بصورةٍ أحاديةٍ انطلاقًا من مصالح النظام الإيراني وحدها، ومن هاجس بقائه، وانتزاع الاعتراف بسطوته، فلا معنى لانتظار نتائج من دبلوماسية ضيّقة، ومشوّهة، منذ لحظة انطلاقها.
كيف يمكن تطوير مفاوضات بين سياسات قوة متعارضة جذريًّا، حيث لا مكان للمصالحة في النصّ الدّبلوماسيّ؟ نحن أمام سيناريو يقوم على وقف الأعمال العدائية، في سياقٍ تُحسم فيه النزاعات بموازين القوة، لا عبر التسويات. وفي مثل هذا السّياق، يظلّ السؤال الأساسيّ: كيف يمكن إنهاء حرب، من المُفترض أن تُحسم عسكريًّا، قبل أن تستعيد الدبلوماسية وظيفتها؟
لا يعكس التقليل من أهميّة مُكتسبات التحالف الأميركيّ – الإسرائيلي العسكرية، والاستراتيجية، والانشغال الجدليّ في مسألة بقاء النظام الإيراني، إنكارًا للوقائع فحسب، بل يكشف أيضًا انحيازات إيديولوجية لدى بعض التيّارات السياسية في الولايات المتّحدة، وفي الاتحاد الأوروبيّ. وفي المقابل، لا تبدو فرضيّات التحالفات المضادّة قادرةً على إحداث اختراق حاسم، ولا يظهر كيف يمكن أن تتفادى إيران المسار التصادميّ الّذي دخلته منذ السابع من شهر تشرين الأول 2023.
تُدار عملية صمود وبقاء هذا النظام بصورة متعثّرة في المرحلة الراهنة، حيث كان من المفترض التحرّك في الوقت المناسب لإنقاذ ما يمكن. وبالنّظر إلى أن كبح الديناميّة الإيرانية قد أعاد توجيه مسار الأحداث بشكلٍ شبه نهائيّ، لا يشكّل الباقي سوى مسألة وقت. ولا تُعتَبر الأنظمة الشموليّة أطرافًا تفاوضية بالمعنى الكلاسيكيّ، فمنطقها السياسيّ لا يقوم على التسوية بل على الصدام. وعليه، لا يمرّ التعامل معها، وفق هذا التصور، عبر التفاوض بقدر ما يمرّ عبر تفكيك بنيتها.
ويندرج الوضع في لبنان ضمن البنية الصراعية عينها، حيث تصطدم العملية السياسية بعوائق مماثلة، في ظلّ رفض حزب الله وحلفائه لأي مسار تفاوضيّ لا يمرّ عبر نفوذهم. ولا يرتبط هذا الرفض بالمبدأ، بقدر ما يرتبط بحدود التمثيل السياسيّ، وإشكاليّة الشرعية. فغياب السيطرة الكاملة على القرار السياديّ يدفع إلى التشكيك في طبيعة التمثيل، ومحاولة فرض شروط التفاوض وأجندته.
لا يبدو التصعيد الآتي من جنوب لبنان معزولًا عن هذا السياق، بل يندرج ضمن ديناميّات أوسع تُعيد إنتاج التوترّ وتُعطّل إمكانات التهدئة. وفي المقابل، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام ضرورة إعادة ضبط خياراتها السياسية، ما يسمح بوقف الانزلاق نحو المزيد من العنف، وفتح المجال أمام مسار تفاوضيّ أكثر شمولًا واستقرارًا.
ويعكس التردّد في التعاطي مع المبادرات الدولية، ومنها الدعوة الأميركية، حجم التناقضات البنيوية في داخل السلطة اللبنانية، كما يكشف أثر الإرث السياسيّ والإيديولوجيّ في عملية اتخاذ القرار. وفي ظلّ هذا التشابك، يبقى أي مسار تفاوضيّ أسير التوازن الدقيق بين ضغط الوقائع الميدانية، وإمكان إعادة صياغة المقاربات السياسية على أسسٍ أكثر واقعية.
مواضيع ذات صلة :
البنتاغون يستعد لنشر الجنود في الشرق الأوسط | بقلقٍٍ بالغ… البابا يتابع وضع الشرق الأوسط | إلغاء رحلات الـ “MEA” إلى العراق الجمعة |




