الحياكة تعود بزخم… وأعصابنا ممتنّة

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth”:
لطالما ارتبطت الحياكة بصورة نمطية تتعلّق بالجدّات، غير أنّها تعود اليوم بزخم. فخلف كرات الصوف الملوّنة، والحركات المتكرّرة، تستقطب هذه الممارسة البسيطة اهتمام الباحثين والعاملين في المجال الصحيّ أيضًا، حيث يروْن فيها وسيلة للتهدئة، وتعزيز الانتباه، وتنظيم الانفعالات.
تخيّلناها طويلًا في كرسيّ مريح، بين كوب من شاي الأعشاب ومفرش صغير. بدت الحياكة وكأنها تنتمي إلى زمن آخر، زمن السترات المصنوعة يدويًّا، والجوارب السميكة، وفترات العصر الهادئة. ثمّ، من دون ضجيج، عادت الإبر إلى الواجهة. في وسائل التواصل الاجتماعيّ، وفي المقاهي الإبداعية، وفي الورشات، وفي حقائب الشباب في المدن، وحتى في غرف الانتظار، استعادت كرات الصوف حضورًا لافتًا بطابع معاصر غير متوقّع.
لا تقتصر هذه الظاهرة على بُعدها الجماليّ. بطبيعة الحال، ثمة متعة شخصية في صنع قبعة، أو وشاح، أو سترة غير متقنة، إنّما فريدة. وثمة متعة أيضًا في اختيار نوع الصوف، واللّون، والنقشة، والملمس. ولكن، إذا كانت الحياكة تجذب بهذا الشكل، فربما لأنّها تستجيب لإرهاق معاصر شديد: إرهاق عقل مُنهك باستمرار، تلتهمه الشاشات، والتنبيهات، والالتزامات، والأفكار الّتي لا تتوقف.
تجسّد ممارسة الحياكة، في العمق، فعلًا شديد البساطة: غرزة بعد غرزة. لا شيء مبهر، ولا شيء صاخب. حركة متكررة، شبيهة بالتنويم المغناطيسيّ. تعمل اليدان، وتتبعها العينان، وينسجم العقل مع الإيقاع. قد يولّد هذا الانتظام شعورًا بالسكينة، ويمنح الجسد مهمة واضحة، والعقل نقطة ارتكاز. في عالم يقفز فيه الانتباه من إشعار إلى آخر، يبدو ذلك أشبه بالترف.
أبدى بعض الباحثين والعاملين في المجال الصحيّ اهتمامًا بهذه التأثيرات. فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2013 في مجلة British Journal of Occupational Therapy، شملت آلاف الحائكين، أنّ الكثيرين منهم يربطون هذه الممارسة بانخفاض التوتّر، وتحسّن المزاج، وشعور أكبر بالهدوء. لا تجعل النتائج من الحياكة دواءً، ولا حتى علاجًا سحريًّا، لكنّها تؤكد حدسًا شائعًا لدى ممارسيها: تساعد الحياكة على التهدئة.
يرتبط التفسير جزئيًّا بطابع التكرار. إذ قد تسهم الحركات المنتظمة في تنشيط الجهاز العصبيّ نظير الوديّ، المسؤول عن العودة إلى حالة الهدوء بعد فترات التوتر. وتشير الأخصائية النفسية الإكلينيكية ميا هوبز، الّتي تعمل خصوصًا على الحياكة العلاجية، إلى هذا الجانب: فالفعل المتكرّر، حين يقترن بانتباه هادئ، يمكن أن يساعد بعض الأشخاص على تنظيم القلق. والأهم ليس إنجاز عمل متقن، بل الاستمرار في فعل الحياكة بحدّ ذاته.
ربّما يكمن هنا سحر الحياكة: فهي تشغل من دون أن تستحوذ. وتتطلب مقدارًا كافيًا من الانتباه، يمنع الذهن من الشرود بعيدًا، من دون أن يتحول ذلك إلى مجهود مرهق. بالنسبة إلى المبتدئين، يفرض عدّ الغرز، أو اتّباع نمط بسيط، أو تجنّب فقدان الخيط، العودة إلى اللحظة الحاضرة. أمّا لدى المتمرّسين، فيصبح الفعل شبه تلقائيّ، وأقرب إلى تنفّس يدويّ.
قد تساعد هذه الخاصية أيضًا في مواجهة بعض السلوكيات القهرية اليومية: قضم الأظافر، أو تفقّد الهاتف على الدّوام، أو القرمشة الآليّة، أو الاستسلام لدوامة الأفكار. غالبًا ما تعكس كل هذه الأفعال توترًا داخليًا، لا تمحوه الحياكة بشكل سحريّ، غير أنّها تقدّم بديلًا ملموسًا عنه: تنشغل الأيدي، ويُعاد توجيه الانتباه، وفي بعض الأحيان، تتلاشى الرغبة حين يزاحمها نشاط ملموس آخر.
في الحياكة، الزمن مرئيّ
في بعض سياقات الرعاية، استُخدمت الحياكة كوسيلة مساندة لدى أشخاص يعانون الإدمان، أو اضطرابات القلق. وهنا أيضًا، لا تحلّ الحياكة مكان المتابعة الطبية، أو العلاج النفسيّ، غير أنّها قد تتحول إلى أداة مكمّلة: طريقة لعبور لحظة صعبة، وتوجيه التوتر، واستعادة شعور بالفاعلية الشخصية. وإنهاء صفّ حياكة تلو الآخر يعني أيضًا الشعور بإحراز تقدّم.
للحياكة ميزة أخرى: جعل الزمن مرئيًّا. في الأنشطة الرقمية، يختفي الكثير من الجهد بمجرد إنجازه. نمرّر الصور، ونجيب على الرسائل، ونستهلك المحتوى، ثم لا يبقى شيء تقريبًا. أمّا في الحياكة، فكل دقيقة تترك أثرًا. يطول وشاح، ويظهر نمط، وتتشكّل مادة. هذا التقدّم البطيء، إنّما الملموس، قد يكون مريحًا بشكل كبير.
ثمة مسألة الخطأ أيضًا. في الحياكة، غالبًا ما نخطئ: تنسلّ غرزة، أو يخرج خطّ عن مساره الصحيح، أو يظره ثقب حيث لا ينبغي. في البداية، يثير ذلك الانزعاج، ثم يتعلّم المرء الفكّ، وإعادة العمل، والتصحيح. في هذه التربية الهادئة شيء ثمين: فيها تذكير بأنّ الخطأ ليس دائمًا بكارثة، وأنّ العودة إلى الوراء، والتصحيح، والمتابعة، ممكنة. في زمن مهووس بالأداء، يبدو ذلك شبه متمرّد.
تشكّل الحياكة أيضًا نشاطًا اجتماعيًّا. يمكن ممارستها بشكل فرديّ، طبعًا، إنّما أيضًا في مجموعات. تعيد الورشات، وجلسات الحياكة، خلق فضاءات من الحديث البطيء، من دون الحاجة إلى التفوّق. ويتم تبادل الأحاديث ونصائح الحياكة وحيَلها، ومقارنة الخيوط، والسخرية والضحك من سترة واسعة جدًّا، أو قبعة صغيرة جدًّا. مع حياكة الصوف، يُنسَج الرابط أيضًا. وبالنسبة إلى الأشخاص المنعزلين، قد لا تقلّ أهمية هذا البعد عن النشاط بحدّ ذاته.
تُفسَّر عودة الحياكة أيضًا برغبة أوسع في استعادة الفعل الملموس. بعد أيام طويلة أمام الشاشات، يؤمّن لمس كرة من الصوف، والإحساس بملمسها، وتكرار الحركة اليدوية، نوعًا من المصالحة مع الجسد. تبطئ الحياكة من دون أن تُجمّد، وتشغل من دون أن تُثقل، وتهدّئ من دون أن تعد بالشفاء.
بالتالي، لا ينبغي إعطاؤها قدرات لا تملكها. فالحياكة لا تعالج وحدها القلق، أو الاكتئاب، أو الإدمان، غير أنّ بإمكانها أن ترافق، وتقدّم الدعم، وتحوّل الانتباه، وتخفّف التوتر. تنتمي الحياكة إلى فئة الممارسات المتواضعة الّتي تساعد على استعادة قدرٍ صغير من السيطرة على الحياة اليومية.
لعلّ هذا ما يجعلها محبوبة بهذا القدر اليوم: لأنّها لا تنتظر منك التميّز، أو السرعة، أو الإنتاج. يكفي أن تبدأ. غرزة إلى اليمين، وغرزة إلى اليسار. لا يصبح العالم بالضرورة أسهل، غير أنّ اليديْن، على الأقل، على دراية بما تفعلان.




