هل يتحرّك الجيش اللبنانيّ ضدّ حزب الله قبل نفاذ صبر واشنطن؟

ترجمة هنا لبنان 16 أيار, 2026

كتبت Amal Chmouny لـ“This is Beirut”:

في الممرات الخالية من النوافذ في مبنى Rayburn House Office، وفي غرف الإحاطات شديدة الحساسية في Foggy Bottom، يتآكل التوافق الطويل الأمد في واشنطن بشأن لبنان.
على مدى سنوات، عوملت سياسة الولايات المتحدة تجاه الجيش اللبنانيّ كـ”بقرة مقدّسة”، أي استثمار منخفض الكلفة للحفاظ على دولة هشة، ومنع انهيارها. لكن اعتبارًا من أيار 2026، بدأ هذا التوافق يتراجع لصالح تشكّك متصاعد، يهدّد خط التمويل الّذي يشكّل شريان دعم واشنطن الأساسيّ للجيش.
وقال عضو الكونغرس الأميركي دارين لحود لموقع: This is Beirut “لا يزال الجيش اللبنانيّ الغراء الّذي أبقى لبنان متماسكًا في خلال فترة صعبة من عدم الاستقرار”.
لكن في واشنطن، ينظر كونغرس أكثر تشدّدًا، وإدارة رئاسية أقل صبرًا إلى الجيش اللبنانيّ كمتلقّ عاجز للدعم. ومن وجهة نظرهم، فهو إمّا متردّد، أو مُقيَّد إلى حدّ يمنعه من مواجهة حزب الله، بعد أن أصدرت الحكومة اللبنانية مراسيم تقضي بنزع سلاح هذا التنظيم المدعوم من إيران.
وقال مساعد وزير الخارجية السابق ديفيد شينكر لموقع This is Beirut: “تطلب الولايات المتحدة الكثير من الجيش اللبنانيّ، لكنّنا نعلم أيضًا أنّ لبنان غير مرجّح أن يحقّق نتائج ملموسة. هناك حدود واقعية لما يمكن توقّعه”.

تصاعد الضغط
منذ أن التقى الجنرال الأميركيّ جوزيف كليفيلد، الممثل العسكريّ الأبرز لواشنطن في لبنان، في الثاني من أيار بقائد الجيش اللبنانيّ رودولف هيكل، تصاعد الضغط. وقد شدّدت واشنطن على ضرورة أن يؤدّيَ الجيش اللبنانيّ دورًا محوريًّا في تنفيذ نزع سلاح حزب الله، بالتوازي مع المسارات الدبلوماسية، وآليات وقف إطلاق النار.
وباتت الولايات المتحدة أقل استعدادًا لتقديم شيكات مفتوحة للجيش اللبنانيّ، إذ تشير تقارير إلى أنّ واشنطن باتت تربط مساعداتها بشكل متزايد بتحقيق تقدّم ملموس في ملف حزب الله.
في المقابل، يؤكد مسؤولون إسرائيليون إنّ عدم معالجة لبنان لملف سلاح حزب الله، يبرّر استمرار العمليات العسكرية في داخل الأراضي اللبنانية، حتى بعد وقف إطلاق نار رعته الولايات المتّحدة، ودخل حيّز التنفيذ في السابع عشر من نيسان.
وقال لحود: “من المهم الاستمرار في الاعتراف بالحاجة إلى دعم الجيش اللبنانيّ وتدريبه، بينما يواصل جهوده لنزع سلاح حزب الله بالكامل، وحماية السيادة والاستقرار في لبنان”.
لكنه حذّر من أنّ “هذا الدعم لا يأتي من دون رقابة صارمة، ومعايير واضحة للمساءلة”.
أمّا شينكر، فأوضح إنّ الكونغرس يتحرّك أصلًا لربط أي مساعدات مستقبلية للبنان بإحراز تقدّم ملموس.
وقال: “إذا لم يكن هناك جهد ملموس ضد حزب الله، فسيتراجع الدعم”.

لا أوهام
في واشنطن، ما من أوهام بأنّ السلطات اللبنانية قادرة على اتخاذ خطوات حاسمة، أو راغبة في ذلك. وقال شينكر: “أوضحت الحكومة في بيروت بأنّها لن تتخذ أي إجراءات قد تُعرّض السلم الأهليّ للخطر، خصوصًا في ما يتعلق بسلاح حزب الله”.
وأضاف: “إذا واصل لبنان تقديم نوايا مبهمة من دون إجراءات ملموسة، سيتراجع الاهتمام الأميركيّ. لقد رأينا هذا من قبل: بعد فترة من الأمل، يتحوّل التركيز إلى ملفات أخرى عندما لا تُترجم الوعود إلى أفعال”.
ويرى بعض المسؤولين في إدارة دونالد ترامب أنّ المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تحمل مؤشرات إيجابية. لكن شينكر يشدّد على أنّ “مجرد وجود مفاوضات لا يضمن وقفًا دائمًا لإطلاق النار”.
وأضاف: “يبقى أي تقدّم مرهونًا بإنجازات فعلية، لا بمجرد وعود”.
ولا يُعدّ الإحباط الأميركيّ جديدًا، لكنّ كلفته باتت أعلى في ظلّ هدنة هشّة، وتبادل شبه يوميّ لإطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، ضمن سياق إقليميّ أوسع من المواجهة بين واشنطن وطهران. وقال شينكر: “يشعر الكثيرون في لبنان، حتى في داخل الحكومة، بالعجز أمام النفوذ الإيرانيّ. تستطيع الحكومة اتخاذ قرارات، لكنّها لا تستطيع تنفيذها عندما يتعلق الأمر بحزب الله أو الوجود الإيرانيّ”.
وتابع: “لا يريد اللبنانيون، سواء أرادوا السلام مع إسرائيل أم لا، أن تواصل إيران اتخاذ قرارات الحرب والسلم في لبنان”.

الشلل والتبريرات
بعد أن اتخذ مجلس الوزراء اللبنانيّ في الثاني من آذار خطوة غير مسبوقة بحظر أنشطة حزب الله العسكرية، تردّد الجيش اللبنانيّ في تنفيذ القرار، مبرّرًا ذلك بالخشية على السلم الأهليّ. وبعد القرار، أشار قائد الجيش رودولف هيكل إلى اعتبارات مرتبطة بالحفاظ على الاستقرار الداخليّ.
وقال الجنرال المتقاعد في الجيش اللبنانيّ خليل الجميّل لموقع This is Beirut إنّ جراح الحرب الأهلية ما زالت تُثقل كاهل المؤسسة العسكرية، وتجعلها رهينة التوازنات السياسية، ومتحفّظة بنيويًا تجاه أي صدام داخليّ.
وأضاف: “للجيش اللبناني تجربة سابقة في التعامل مع سلاح الميليشيات، وعندما لا يكون هناك توافق سياسيّ على نزعه، فإنّه لا يملك القدرة على ذلك. هذه الأسلحة ذات طابع طائفيّ، ولا يمكن للجيش نزعها إلا ضمن تسوية سياسية”.
في واشنطن، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يُنظر إلى الجيش اللبنانيّ بوصفه بنية منهكة في داخل دولة متآكلة. وقد لخّص ماثيو ليفيت، الباحث الأول في معهد واشنطن، ما يعتبره مفارقة النقاش حول استمرار تمويل الجيش اللبنانيّ.
وقال: “ثمانية آلاف جنديّ من الجيش اللبنانيّ مكلّفون في الجنوب، لكن في أي لحظة، يقود نصفهم سيارات أوبر، أو يعمل في المطاعم، لأنّهم لم يتقاضوْا رواتبهم”. ويصف هذا الواقع بأنّه “تفصيل صغير” بات يختصر معنى السيادة اللبنانية، مضيفًا إنّ الولايات المتحدة تموّل فعليًّا “جيشًا للبقاء عبر اقتصاد العمل الهش”.
من جهته، شدّد السيناتور روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركيّ، على أنّ الكونغرس لن يدعم جيشًا لا يعمل كقوة موازنة لحزب الله.
وقال في الواحد والعشرين من نيسان: “لا ينبغي أن يدعم الكونغرس الجيش اللبنانيّ، ما لم يتحرك لنزع سلاح حزب الله بالكامل، وعلى الفور”.
وتتمثل المعضلة الأساسية في أنّ الانتقادات الموجّهة للجيش اللبنانيّ لا تتعلق بضعف قدراته فحسب، بل أيضًا بغياب الإرادة السياسية لمواجهة التنظيم الّذي تعتبره واشنطن المحرّك الأساسيّ لأزمات لبنان.

فرصة عابرة
تنظر بعض الأوساط إلى حزب الله، الّذي طالما قدّم نفسه كحامٍ للطائفة الشيعية، كعامل استنزاف لها. فمنذ فتحه جبهة ضد إسرائيل في الثامن من تشرين الأول 2023، تراجعت قدراته العسكرية بشكل ملموس. كما أنّ مقتل أمينه العام السابق حسن نصرالله في ضربة إسرائيلية في أيلول 2024 ترك فراغًا سياسيًّا ومعنويًّا في داخل بيئته، وفتح الباب أمام أسئلة أوسع حول المسار الّذي يسلكه التنظيم.
وعلى الورق، تبدو هناك فرصة عابرة للتغيير. حتى رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف التاريخيّ لحزب الله وخصمه في بعض المحطات، بدأ يُبدي قبولًا ضمنيًّا بمسارات تعزّز سيادة الدولة اللبنانية، في ظل تغيّر موازين القوى الاقليمية لمصلحة خصوم إيران.
ووصف النائب لحود هذه اللحظة بأنّها “فرصة تتكرر مرة في الجيل أمام لبنان، للتخلّص من الورم الخبيث المتمثل بحزب الله، والعمل نحو التطبيع والسلام مع إسرائيل”.
لكنّ الجيش اللبنانيّ لا يزال في موقع الانتظار، مترقبًّا “لحظة حاسمة” يعتقد وزير الخارجية ماركو روبيو وصقور آخرون في الإدارة الأميركية أنّها فاتت منذ أشهر.
وقال لحود لموقع This Is Beirut: “ينبغي أن تبقى كل الخيارات السياسية والدبلوماسية مطروحة على الطاولة مع استمرار المحادثات بين إسرائيل ولبنان، لكنّ الأهداف المشتركة المتمثلة بالاستقرار والسلام بين البلديْن يتعيّن أن تكون أساس هذه النقاشات”.
لكنّ الوقت يضيق، والرسالة الأميركية واضحة: النافذة على وشك أن تغلق.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us