النحل.. حرّاس لبنان الهش

ترجمة هنا لبنان 20 أيار, 2026

كتب مكرم حداد لـ”Ici Beyrouth“:

بمناسبة اليوم العالميّ للنحل الّذي يُحتفل به في العشرين من شهر أيار، يسلّط موقع Ici Beyrouth الضوء على حشرة صغيرة تحوّلت إلى مؤشر ضخم يعكس مدى هشاشتنا. في لبنان، لا يكتفي النحل بإنتاج العسل فحسب، بل يروي لنا حالة الزراعة، والمناخ، والبساتين، والاقتصاد الريفيّ الّذي لا يزال يحاول الطنين رغم كل شيء.

ثمة إنذارات تكاد لا تُصدر صوتًا. خلية تفرغ من نحلها، وتزهير لم يعد يثمر، ونحّال ينقل صناديقه بعيدًا عن الخطر، ونحل لا يعود أدراجه. وسط صخب الأزمات اللبنانية، غالبًا ما يمر طنين خلايا النحل من دون أن يلاحظه أحد، رغم أنّه يفضح الكثير عن واقع البلاد.
ليس اختيار تاريخ العشرين من أيار بصدفة، فهو ذكرى ميلاد أنطون يانشا، الرائد في تربية النحل الحديثة في سلوفينيا في خلال القرن الثامن عشر. ولكن في لبنان، وخلف هذا الاحتفال العالميّ، يروي النحل حكاية محلية بامتياز: حكاية زراعة هشة، وبيئة ترزح تحت الضغوط، وخلايا نحل عالقة بين فكيّ كماشة الأزمات.
يُذكّرنا اليوم العالميّ للنحل بحقيقة بديهية: بدون الملقّحات، تفقد الزراعة جزءًا من توازنها. فالنحل، والفراشات، والطيور، والخفافيش، وغيرها من الملقّحات تسهم في تكاثر الكثير من النباتات، وفي تنوّع أطباقنا. بالتالي، ليس النحل مجرد حشرة تنتج العسل، بل هو الحليف الأول للأشجار المثمرة، والخضروات، والبذور، والنباتات البرية، وجزء أساسيّ من السلسلة الغذائية.
قد تبدو مقولة “إذا اختفى النحل، تختفي البشرية أيضًا” دراماتيكية ومبالغًا فيها. فالعالم لن يتوقف تلقائيًّا عن إطعام نفسه: القمح، والأرزّ، والذرة، لا تعتمد بشكل مباشر على النحل. لكنّ الأخير سيتغذى بالتأكيد بشكل أسوأ، وبتنوع أقل، وبتكلفة أعلى، وبطريقة أكثر هشاشة.
في فرنسا، نشر الاتحاد الوطنيّ لتربية النحل مقولة تُلخّص جوهر القضية: “النحلة، حارسة البيئة”. وفي لبنان، تخبرنا هذه الحارسة اليوم عن حالة أرض واهنة.

في لبنان.. قطاع ثمين إنّما ضعيف
ليست تربية النحل في لبنان مجرد مشهد ريفيّ حالم، بل هي نشاط زراعيّ، واقتصاديّ، وتراثيّ. ووفق بيانات صدرت حديثًا عن وزارة الزراعة، يضمّ لبنان نحو 8,000 نحّال، وأكثر من 417,000 خلية نحل، في حين قد يصل إنتاجه السنويّ من العسل إلى 1,500 طن في الظروف الطبيعية.
إلّا أنّ الحرب ضربت هذا القطاع في الصميم. واستنادًا إلى تقديرات البنك الدوليّ، دُمّرت نحو 5,000 خلية نحل بين الثامن من تشرين الأول 2023 والعشرين من أيلول 2024، مع تسجيل أضرار تُقدّر بحوالي 800,000 دولار. وخلف هذه الأرقام عائلات، وقرى، وتعاونيات، ومواسم ضائعة.
ينقل النحالون خلاياهم على إيقاع مواسم الإزهار: من حمضيات الساحل إلى زعتر المرتفعات، مرورًا بالزهور البرية، والسنديان، والجبال. تتبع الخلية جغرافية لبنان وكأنّها خريطة حساسة. وعندما يتعذّر الوصول إلى منطقة ما، أو حينما تلتهم النيران المراعي الغنية بالرحيق، أو عندما تدمّر القنابل المناحل، يضطرب نظام الإنتاج بأكمله.

المبيدات، والمناخ، والدبابير: خلايا النحل تحت الهجوم
خلف صورة “النحلة زينة” اللطيفة والطفولية، تختبئ حقيقة أكثر قسوة: واقع خلايا نحلٍ تواجه المبيدات الحشرية، والتقلبات المناخية، والأمراض، والحيوانات المفترسة، وجراح الحرب.
لا تأتي التهديدات من جبهة واحدة. فبعض المبيدات الحشرية المستخدمة من دون تنسيق مع النحالين، قد تُفقد النحل بوصلته، أو تقتل النحل السارح (العاملات)، أو تلوّث الخلايا. كما يربك المناخ المواسم، ويؤجل فترات الإزهار، ويزيد من حدة الجفاف، ويجعل الشتاء أكثر تقلبًا وعرضة للمفاجآت. يُضاف إلى ذلك الحرائق، والتوسع العمرانيّ، واختفاء المساحات الطبيعية، وأمراض المستعمرات، وطفيْل فاروا (Varroa)، المعروف جيّدًا من النحالين.
وثمة مفترس آخر يُخشى منه أيضًا: الدبّور الشرقيّ (Vespa orientalis) الّذي غالبًا ما يُطلق عليه بالخطأ اسم “النحل الطنان القاتل للنحل”. غير أنّه دبّور في الواقع، وليس نحلًا طنانًا، فالنحل الطنان هو أيضًا من الملقّحات. أمّا الدبور الشرقيّ، فيصطاد النحل لإطعام يرقاته؛ حيث ينقضّ على النحل السارح بالقرب من الخلايا، ما يجهد المستعمرات، ويقلل من نشاطها، ويزيد من ضعف الخلايا الضعيفة أصلًا.
في خلية قوية، يقاوم النحل. إنّما في خلية أضعفتها الحرارة، أو الجوع، أو المبيدات، أو الحرب، يشكل الدبور ضغطًا إضافيًّا. ونادرًا ما يقضي سبب واحد على المستعمرة؛ إنما هو تراكم الضغوط.

العسل.. تراث بقدر ما هو إنتاج
يستمد العسل اللبنانيّ غناه من تنوّع البلاد: البحر، والجبال، والوديان، والغابات، والبساتين، والزعتر، والحمضيات، والزهور البرية. يمنحه هذا التنوع هوية فريدة لا تحتاج إلى أي إعلانات ترويجية؛ فهو بحد ذاته انعكاس لطبيعة الأرض.
لكنّ هذا التراث لا يسعه الاستمرار بمجرد الحنين إلى الماضي. فهو يتطلب مراقبة الجودة، ومكافحة العسل المغشوش، والتدريب، والمعدات، والمختبرات، والتنسيق مع المزارعين، وحماية المساحات الطبيعية. بالتالي، لا تعني حماية النحل تركيب الخلايا فحسب، بل حماية الموائل، والأزهار، والتربة، والأسوار النباتية، والغابات، والبساتين، والدورات الطبيعية.
عندما تصمت خلايا النحل
في الجوهر، يُجبر النحل لبنان على النظر إلى ما يفضّل غالبًا غض الطرف عنه: هشاشة قطاعه الزراعيّ، واستخدام بعض المبيدات العشوائيّ، وتأثير التغير المناخيّ، وعزلة صغار المنتجين، وأضرار الحرب الملموسة على دورات الطبيعة.
لا يعني فقدان خلية بعض كيلوغرامات أقل من العسل فحسب. بل يمثّل مستعمرة اندثرت، وموسماً مهدّداً، ودخلاً مبتورًا، وبستانًا أقل خصوبة، ومشهدًا طبيعيًّا يفقد أحد أهم عماله الكادحين.
لا، لن تنهار البشرية في خلال بضع سنوات إذا اختفى النحل. لكنّها ستفقد جزءًا من تنوعها، وعذوبتها، وتوازنها، وقدرتها على تأمين الغذاء السليم. في لبنان، حيث تصمد أشياء كثيرة بأعجوبة، ليس طنين النحل مجرد ضجيج في الخلفية، بل هو ناقوس خطر. وعندما تصمت خلايا النحل، يتعيّن أن ينصت البلد بأسره جيدًا.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us