أمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة في لبنان: حرب الأمعاء الصامتة

ترجمة هنا لبنان 21 أيار, 2026

كتب Makram Haddad لـ”Ici Beyrouth“:

بمناسبة اليوم العالميّ لأمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة في التاسع عشر من شهر أيار، يعود موقع Ici Beyrouth لتسليط الضوء على هذه الأمراض الّتي لا تزال غير معروفة بما يكفي. داء كرون، والتهاب القولون التقرحيّ: تختبئ خلف هذه الأسماء الطبية آلام، وحالات طارئة، وإرهاق مزمن، إلى جانب بحث لبنانيّ متزايد النشاط.

لا تلاحَظ دائمًا ولا يُحكى عنها بسهولة، غير أنّها قد تبدّل الحياة بالكامل. آلام في البطن، وإسهال متكرر، ونزيف، وفقدان وزن، وإرهاق شديد، وحاجة ملحّة إلى دخول المرحاض، ونوبات مفاجئة، وفترات هدوء هشّة: تشمل أمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة (MICI) أساسًا داء كرون، والتهاب القولون التقرحيّ.

ويهدف يوم MICI العالميّ، الّذي ينظَّم في التاسع عشر من أيار من كل عام، إلى إخراج هذه الأمراض من الظل، والتأكيد على أنّ داء كرون، والتهاب القولون التقرحيّ ليسا مجرد “آلام معدة”، ولا التهابًا عابرًا، ولا حالة مرتبطة بالتوتر فحسب، بل هما أمراض التهابية مزمنة ذات طابع مناعيّ تصيب الجهاز الهضميّ، وتؤثر على أكثر من عشرة ملايين شخص حول العالم.

داء كرون والتهاب القولون التقرحيّ: وجهان لعبء واحد

يمكن أن يصيب داء كرون الجهاز الهضميّ بأكمله، من الفم إلى الشرج، رغم أنّه غالبًا ما يتموضع في الأمعاء الدقيقة والقولون. أمّا التهاب القولون التقرحيّ، فيقتصر على المستقيم والقولون. وفي الحالتين، يقوم المرض على التهاب مزمن ناتج عن خلل في الاستجابة المناعية لدى أشخاص لديهم قابلية فردية، مع تداخل عوامل محتملة مثل الغذاء، والميكروبيوم، والتدخين، والعدوى، والبيئة، ونمط الحياة.

تكمن المشكلة في أنّ المرض قد يتقدّم بصمت. فقد تختلط أعراضه مع متلازمة القولون العصبيّ، أو عدوى هضمية، أو عدم تحمّل غذائيّ، أو فترات توتر. ولكن، عندما تستمر الآلام، وتتكرر الإسهالات، ويظهر الدم في البراز، ويحدث فقدان وزن غير مبرر، أو يصبح الإرهاق غير طبيعيّ، لا يعود الموضوع بسيطًا.

يعتمد التشخيص على مجموعة متكاملة من العناصر: أخذ التاريخ المرضيّ، والفحوصات المخبرية، ومؤشرات الالتهاب، والكالبروتكتين البرازيّ، والتنظير الداخليّ، والخزعات، والتصوير حسب الحاجة. ولا يقتصر الهدف على تسمية المرض، بل يشمل تحديد امتداده، وشدته، ومضاعفاته، واختيار العلاج الأنسب لكل حالة.

تصاعد موثّق في لبنان

طالما اعتُبرت أمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة أمراضًا غربية الطابع، لكنّ هذا التصوّر بات متجاوزًا. فمع التمدّن، وتغيّر النظام الغذائيّ، وتبدّل الميكروبيوم، وتحوّل أنماط الحياة، باتت هذه الأمراض أكثر حضورًا في مناطق متعددة من العالم، بينها الشرق الأوسط.

في لبنان، تتّضح الصورة بشكل أكبر. فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة PLOS One، تغطي الفترة بين 2000 و2020، تسجيل 2,869 حالة، بينها 1,365 إصابة بداء كرون، و1,504 إصابة بالتهاب القولون التقرحيّ. وارتفع معدل الإصابة السنويّ من 4.9 لكل 100,000 نسمة في بداية الفترة، إلى نحو 11 لكل 100,000 نسمة في عام 2020، بينما قُدّرت نسبة الانتشار الإجمالية بـ 130.56 لكل 100,000 نسمة.

لا تختزل هذه الأرقام الواقع، لكنّها تكشف حقيقة أساسية: لم تعد أمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة هامشية في لبنان. فهي تصيب غالبًا شبابًا في سن الدراسة، والعمل، وتأسيس الحياة. وفي بلد تتفاوت فيه فرص الوصول إلى الرعاية الصحية، وتثقل فيه كلفة الفحوصات والعلاجات كاهل المرضى، تتحول هذه الأمراض إلى عبء طبيّ، واجتماعيّ، وماليّ، يتجاوز البعد الصحيّ وحده.

بحث لبنانيّ يتبلور

في تطور لافت، لم يعد لبنان يكتفي برصد هذه الأمراض من بعيد، إذ باتت فرق جامعية واستشفائية متعدّدة تساهم في توثيقها، ودراستها، بشكل أكثر دقة.

ففي المركز الطبيّ في الجامعة الأميركية في بيروت (AUBMC)، تناولت أبحاث حديثة فعالية التوفاسيتينيب في علاج التهاب القولون التقرحيّ، ضمن ظروف واقعية. وقد نُشرت هذه الدراسة في مجلة BMC Gastroenterology، وأظهرت أهمية العلاجات الموجّهة في بعض الحالات المتوسطة إلى الشديدة، مع الإشارة إلى بعض القيود المرتبطة بصغر حجم العينة، وطابع التحليل الاستعاديّ.

كما يُعتَبر ميكروبيوم الأمعاء مجالًا بحثيًّا متسارعًا. فقد قارنت دراسة منشورة في Scientific Reports بين ميكروبيوم مرضى لبنانيين مصابين بالتهاب القولون التقرحيّ، وآخرين أصحاء، وبيّنت انخفاضًا في التنوع الميكروبيّ لدى المرضى، مع الدعوة إلى توسيع الأبحاث الإقليمية لفهم خصوصيات المرض المحلية بشكل أفضل.

أمّا التغذية، فتبرز كعامل محوريّ أيضًا. إذ تُظهر دراسات لبنانية حديثة منشورة في PLOS One وNutrients أنّ الكثير من المرضى يغيّرون نظامهم الغذائيّ، خصوصًا في خلال نوبات النشاط، عبر تجنّب منتجات الألبان، والأطعمة الحارة، والألياف أو مجموعات غذائية متعددة. غير أنّ هذه القيود قد تؤدي، إذا لم تُدَر طبيًّا، إلى نقص غذائيّ، وفقدان وزن، وسوء تغذية.
ويمتد هذا الحراك البحثيّ إلى ما هو أبعد من مؤسسة واحدة، من الجامعة الأميركية في بيروت إلى الجامعة اللبنانية الأميركية، ومن جامعة القديس يوسف/مستشفى أوتيل ديو دو فرانس إلى الجامعة اللبنانية، ومن جامعة الروح القدس الكسليك إلى مستشفى سيدة المعونات، والمركز الطبيّ الجامعيّ الزهراء، ومستشفى الساحل العام. وهكذا يرسم البحث المحليّ تدريجيًّا خريطة أكثر دقة لأمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة في لبنان، مؤكّدًا أنّها لا تقتصر على الجهاز الهضميّ، بل تمتد إلى التغذية، وجودة الحياة، والصحة النفسية، وإمكان الوصول إلى العلاج، والقدرة على العيش بصورة طبيعية.

العلاج، والتحكم، والمرافقة

ما من علاج شافٍ ونهائيّ حتى اليوم لأمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة. لكنّ تطوّر التدبير العلاجيّ غيّر مسار هذه الأمراض بشكل واضح، إذ باتت العلاجات الحديثة قادرة في كثير من الحالات على السيطرة على الالتهاب، وتقليل نوبات التفاقم، وإطالة فترات الهدوء، وتحسين جودة الحياة.

في الحالات الخفيفة إلى المتوسطة من التهاب القولون التقرحيّ، تُستخدم مركّبات 5-ASA. وتبقى الكورتيكوستيرويدات فعّالة في نوبات التفاقم، على أن يُحصر استخدامها بسبب آثارها الجانبية. وعند اشتداد المرض، أو تكرار نوباته، أو تحوّله إلى شكل شديد، تُستخدم مثبطات المناعة، والعلاجات البيولوجية، والعلاجات الموجّهة.

مضادات TNF، ومضادات الإنتغرين، ومضادات الإنترلوكين، ومثبطات JAK ، وغيرها من الجزيئات الموجّهة: لم يعد الهدف مجرد تهدئة الأعراض، بل السيطرة العميقة على الالتهاب، وتعزيز شفاء الغشاء المخاطيّ، والوقاية من المضاعفات. كما تبقى الجراحة خيارًا في بعض الحالات: التضيّقات، أو الناسور، أو الإصابة الشديدة في القولون، أو المرض المقاوم للعلاج.
لكن علاج MICI لا يقتصر على وصف دواء. بل هو متابعة المريض لمدة طويلة، وتعديل العلاج بشكل مستمر، ومراقبة النواقص الغذائية، وتنظيم التغذية، والوقاية من المضاعفات، والانتباه إلى الإرهاق، والإقرار بالأثر النفسيّ لمرض يتسلّل إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

مرض في الأمعاء… يمسّ الحياة اليومية بشكل خاص

اختزال أمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة في مجرد أعراض هضمية خطأ فادح. فهي قد تمتد لتصيب المفاصل، والجلد، والعينين، والكبد؛ وقد تؤدي إلى فقر الدم، ونقص المغذيات، وإرهاق مزمن. كما تنعكس بوضوح على الحياة الاجتماعية: الخوف من الخروج، والقلق من غياب المراحيض، والتغيب عن العمل أو الجامعة، وصعوبة الإفصاح عن المرض، والشعور بالعزلة.

تتفاقم هذه التحديات في لبنان بفعل الأزمة الاقتصادية. فالتعامل مع MICI لا يقتصر على وصفة طبية، بل يشمل استشارات متخصصة، وفحوصات، وتنظير، وعلاجات قد تكون مكلفة، ومتابعة مستمرة، وإدارة يومية معقدة بين التأمين، والصيدلية، والمختبر، والمستشفى، وإمكانات العائلة.

لهذا تكتسب المعلومات الموثوقة أهمية إضافية. إذ يلجأ الكثير من المرضى اللبنانيين الناطقين بالفرنسية إلى موارد جمعية afa Crohn RCH France، وهي جمعية مرجعية تُعنى بتثقيف المرضى، ودعمهم، ونشر المعرفة حول المرض، بما في ذلك محتوى توعويّ وفيديوهات تفسيرية. لا تغني هذه الموارد عن متابعة طبيب الجهاز الهضميّ، لكنّها تساعد على فهم المرض بشكل أفضل، وطرح الأسئلة الصحيحة، وكسر العزلة.

في النهاية، يذكّر اليوم العالميّ لأمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة بحقيقة أساسية: ليست كل الأمراض الثقيلة ملاحَظة. فبعضها يُعاش بصمتِ إمعاءٍ مضطرب، وخلف مظهر عاديّ، ويوم عمل، ومحاضرة جامعية، وعشاء مُلغى، وإرهاق لم نعد نجد تفسيرًا له. ما من شفاء نهائيّ لداء كرون والتهاب القولون التقرحيّ حتى الآن، إنّما يمكن تشخيصهما بدقة أكبر، وعلاجهما بفعالية أكبر، والتعايش معهما بشكل أفضل، شرط عدم الاستهانة بهما.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us