كيف نضع حدًّا لديستوبيا قاتلة؟

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:
تلامس لعبة المواجهات والهدنات المتعاقبة، الّتي تضبط إيقاع الحياة اليومية في إيران والشرق الأوسط، حدود العبث، لولا أنّها تُختزل في مآسٍ تتكرر بلا نهاية. فالنظام الايراني لا يملك، في جوهره، سوى خيار العنف. أمّا الدبلوماسية، فلا دور لها سوى تأمين بقائه، على حساب السلام الداخليّ والخارجيّ معًا. وهكذا، تبقى الأزمات معلّقة، فيما يغدو مستقبل السلام في الشرق الأوسط أكثر هشاشةً وغموضًا من أي وقت مضى.
ويبقى السؤال الملحّ: هل يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة، وإعادة المنطقة إلى مسار تسوية تفاوضية للنزاعات القائمة؟ تكشف العودة السريعة إلى الماضي انسداداتٍ مؤسساتيةً راسخة، وتُظهر كيف باتت العودة إلى الحرب تبدو، في كل مرة، وكأنها السبيل الوحيد لوضع حدٍّ للحرب بحدّ ذاتها.
ليس النظام الإيراني مستعدًّا، تحت أي ظرف، لتغيير سرديته أو سلوكه. إذ تتواصل أزمة شرعيته، وحالة الصراع المزمنة الّتي يعيشها بلا انقطاع ومن دون أي مراجعة للمسار. كما تصطدم جميع المفاوضات المتعلقة بالممرات البحرية الدولية، وأنظمة عسكرة النزاعات، التقليدية منها والنووية، والجغرافيا السياسية المأزومة، والإصلاحات الداخلية، بمحظورات أيديولوجية وتعطيلاتٍ مؤسساتية مزمنة.
وهي تنطلق أصلًا من مسلّمات نظام، لا يرى في العنف سوى طريقه الوحيد إلى البقاء. من هنا، يصبح من الضروريّ الإقرار بهذه الحقيقة، والكفّ عن المراوغة وعن تغذية أوهام دبلوماسية لا نهاية لها، أو محاكاة حلولٍ للنزاعات بينما تبقى هذه الأخيرة، بحدّ ذاتها، مستعرة.
أمّا الدبلوماسيات الأوروبية، ومعها الحزب الديمقراطيّ في الولايات المتحدة، فتواصل التمسك بالأوهام والاستقرار في حالةٍ من إنكار الواقع، من دون أن تمتلك ما تقدّمه فعليًّا على صعيد حل هذه النزاعات. وفي المقابل، يصعّد النظام الإيراني من عنفه تجاه مجتمعٍ محليّ متمرد، ورافض لأي مساومة مع نظامٍ لا يُظهر أي استعدادٍ للإصلاح.
ويواصل النظام، من جهته، التشبّث بالعنف وإرهاب الدولة بوصفهما أداتيْ حكمٍ وبقاء. بينما لا تؤدي علاقاته بمحيطه الإقليمي وبالمجتمع الدوليّ سوى إلى إعادة إنتاج ذهنية نظامٍ شموليٍّ وإمبرياليةٍ عدوانية، وترسيخهما. ويطبع هذا النمط عينه مجمل المنطقة، حيث يُبقي النظام، عبر “سياسة المنصات العملياتية المندمجة”، ديناميات الصراع في حالة اشتعالٍ دائم.
أمّا تصوّره الوحيد للنظام الإقليمي، فيقوم على عسكرة النزاعات، وإعادة إنتاج موازين القوى في كل مرة يشعر بالتهديد. ولا غاية لكل ما يُقدَّم بوصفه تبادلًا دبلوماسيًّا، سوى تحصين مكتسبات سياسة إمبريالية بلا أي وازع. والمفارقة أنّ بعض الدبلوماسيات الغربية ترفض تبنّي هذه القراءة، وتلجأ إلى محاكاة مضلِّلة تدرك جيدًا عدم جدواها.
لذلك، لم يعد من المجدي بعد اليوم تكرار هذا التشخيص، وانتظار حدوث معجزة وسط ركامٍ يتكدّس أمام الأعين، في منطقةٍ تتكاثر فيها النزاعات الّتي تُغذّيها الإمبريالية الإيرانية. ويتعيّن الإقرار بأنّ أي تحوّل لن يتحقق سوى بتبدّل موازين القوى، وأنّ الحرب تبدو، أكثر من أي وقت مضى، أمرًا لا مفرّ منه. فهامش مناورة النظام الإيراني يضيق تدريجيًّا، في حين لا ترى التحالفات المضادّة الّتي راهن عليها النور. لذلك، لا يفعل سوى إعادة إنتاج السيناريوهات ذاتها الّتي خبِرها سابقًا: الإرهاب، وسياسات التخريب، والقمع الداخليّ، وتقويض آليات التحكيم، وتسوية النزاعات التفاوضية.
ويتعيّن أن يستمر تدمير روافعه اللوجستية والعملياتية، ومواصلة سياسات العقوبات والحصار ونزع الشرعية، إذا كان ثمة أفق لوضع حدٍّ للانسدادات البنيوية الّتي تعوق أي تغيير. كما يقتضي الأمر إلحاق الهزيمة بهذا النظام على امتداد مختلف ساحات الاشتباك، مهما تنوّعت أشكال المواجهة وتدرّجاتها.
إذ تندرج إعادة تشكيل موازين القوى كما في العراق، واستراتيجيات الاحتواء كما في اليمن وغزة ودول الخليج ولبنان، وسياسات التحييد كما في سوريا، إلى جانب هزيمة حماس وحزب الله والحوثيين، جميعها، ضمن سياقٍ جيوسياسيٍّ متصل، يمدّد سياسات الاستنزاف الموجّهة إلى الداخل الإيراني.
ويتعيّن منع النظام الإيراني من إعادة نسج شبكاته العملياتية، واستعادة موقعه بوصفه طرفًا لا غنى عنه على الساحتيْن الإقليمية والدولية، بأي ثمن. أمّا هذا المحور الشموليّ الجديد، فبعيدٌ عن تشكيل سند فعليّ للسياسة الإمبريالية الإيرانية، إذ يبدو محدود الفاعلية، وهشّ التأثير، لا بل عديم الجدوى في الكثير من الأحيان.
وهكذا، ما من طريق آخر للدبلوماسية والسعي إلى التسوية، على ما يبدو، سوى الحرب وإعادة صياغة موازين القوى.




