كوبا: أفول الحلم الطوباوي!

ترجمة هنا لبنان 22 أيار, 2026

 

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:

منذ مطلع عام 2026، تعيش كوبا ما يصفه عدد من المراقبين بأنّه أخطر مواجهة مع واشنطن منذ أزمة الصواريخ عام 1962. ففي كانون الأول، اعترضت الولايات المتحدة ناقلات نفط مُحمّلة بالخام الفنزويليّ كانت متوجّهة إلى الجزيرة، قبل أن تُصدر في التاسع والعشرين من كانون الثاني 2026 مرسومًا يُجيز فرض عقوبات إضافية على أي دولة تزوّد كوبا بالنفط. وقد انعكست هذه التطوّرات سريعًا على حياة الكوبيين اليومية، إذ علّقت رسميًّا شركة “Air France” رحلاتها بين باريس وهافانا ابتداءً من التاسع والعشرين من شهر آذار، بسبب نقص وقود الطيران في الجزيرة، بينما غرقت هافانا مجدّدًا في ظلام انقطاعات كهربائية واسعة.

قد يبدو من المغري اختزال الأزمة الكوبية الرّاهنة في هذه التطوّرات الأخيرة. غير أنّ ذلك يتجاهل انكماش الاقتصاد الكوبيّ بنحو 5% في عام 2025، مسجّلًا تراجعًا يقارب 15% منذ عام 2020، أي قبل تشديد الضغوط الأميركية بوقت طويل. فالأزمة الحالية، على حدّتها، ليست سوى امتدادٍ لانهيار أعمق جذوره داخلية وتراكمية.

تراجع اقتصاديّ غير مسبوق

بلغ نصيب الفرد من النّاتج المحليّ في كوبا اليوم، الّذي كان يُقدَّر عام 1955 بأنّه أعلى بنحو 80% من متوسّط نظرائه في أميركا اللّاتينية، مستوى أدنى من المتوسط الإقليميّ هذا. ويعكس هذا التحوّل مسارًا من التراجع بقدر ما يعكس انهيارًا بنيويًا عميقًا. فقد انهار إنتاج السكر، الّذي كان يومًا عماد الاقتصاد، من أكثر من 8 ملايين طن عام 1989 إلى نحو 200 ألف طن في 2025. أمّا السياحة، الّتي طُرحت بديلًا عن هذا المورد، فلم تعد قادرةً على التعويض، إذ تراجعت أعداد الوافدين حتّى نيسان 2025 بنسبة 72% مقارنةً بالعام السابق، مع معدّل إشغال فنادق لا يتجاوز 24.1%. كما أنّ انقطاعات الكهرباء الواسعة، وتدهور البُنى التحتية، وتفاقم انعدام الأمن، جعلت الجزيرة أقلّ جاذبيةً حتّى لزوارها التقليديين.

أمّا على الصعيد الاجتماعيّ، فالأزمة أكثر حدّة، إذ يعاني نحو 70% من الكوبيين من تفويت وجبات بسبب نقص الموارد، ولا يتمكّن سوى 15% منهم من تأمين ثلاث وجبات يوميًّا بشكل مُنتظم. وتعكس هذه المؤشرات واقعًا لا يمكن اختزاله في الحصار الخارجيّ، بل يرتبط أيضًا ببنية اقتصادية أضعفت بشكل منهجيّ شروط الإنتاج والاستدامة.

الاقتصاد الموجّه في مواجهة الازدهار

يرى الاقتصاديّ كارميلو ميسا-لاخو، أحد أبرز المرجعيّات الأكاديمية في دراسة الاقتصاد الكوبيّ، أنّ انهيار البلاد يعود إلى ما يصفه بـ”فشل نموذج اقتصاديّ غير فعّال قائم على التخطيط المركزيّ، والمؤسّسات المملوكة للدولة، وتجميع الزراعة، وهو نموذج استمر على الرغم من إخفاقه عالميًّا”.

ويؤكّد “مشروع بناء القدرات في كوبا” التابع لجامعة كولومبيا هذا التشخيص، مشيرًا إلى أنّ الاقتصاد الكوبيّ، المتجذّر في التخطيط المركزيّ، يعاني اختلالات بنيوية عميقة: أسواق ضعيفة أو شبه غائبة، وأسعار منفصلة عن الكلفة الحقيقية، وغياب المنافسة بين المؤسّسات العامة، وقيود مالية مرنة بشكل مفرط داخل القطاع العام.

ويؤدّي هذا النّموذج إلى إضعاف الصّادرات عبر احتكارات الدولة، وفصل الأسعار المحلّية عن أسعار التصدير. كما يحدّ غياب سوق صرف شفاف من قدرة المنتجين على الاستجابة بفعّالية للطلب الدوليّ. أمّا الإصلاحات الجزئية الّتي أُدخلت منذ عهد راوول كاسترو، فلم تتجاوز عتبة التحوّل الحقيقيّ، إذ بقيت محاطةً بقيودٍ ثقيلةٍ، وضرائب مرتفعة، وشكوك مستمرّة تجاه أي مبادرة خاصة.

وخلال عقد الألفيّة الثاني، طُرحت إصلاحات متعدّدة، ثم جرى التراجع عنها. وهكذا، يعمل الاقتصاد الكوبيّ في إطار “حالة طوارئ دائمة”، تُتخذ فيه القرارات بمنطق الاحتواء بدلًا من التنمية.

الحصار: ذريعة مُريحة أكثر من اللازم

يُعدّ الحصار الأميركيّ الحجّة الأكثر استخدامًا من قبل هافانا لتفسير أزمتها الاقتصادية، غير أنّ هذا التفسير يحتاج إلى قدر كبير من التمحيص. فمعهد “كاتو” (Cato Institute)، الّذي أيّد بدوره رفع الحصار لأسبابٍ تتعلق بالسياسة الخارجية، يؤكد بوضوح أنّ الحصار ما بين عامي 1959 و1989 لم يكن مسؤولًا سوى عن “جزءٍ ضئيلٍ (أقل من عُشْرٍ)” من خسائر الدخل المنسوبة إلى الثورة الكوبيّة. وفي عام 1989، أي قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، كان إنتاج كوبا أقلّ بنحو النصف ممّا كان يمكن توقعه وفق مسارها قبل 1959، على الرغم من أنّ الدعم السوفياتيّ كان يموّل الاقتصاد بشكلٍ مصطنعٍ خلال الثمانينيّات.

كما تصطدم حجّة الحصار بواقع جغرافيّ واقتصاديّ واضح، فكوبا تتاجر بحرية مع كندا، والاتحاد الأوروبيّ، والصين، وغيرها من الشركاء التجاريين. وإذا كان الحرمان من السوق الأميركية يُشكّل عائقًا حقيقيًّا، فإنّه لا يفسّر عجز الدولة عن إطعام سكانها، ولا انهيار الإنتاج الزراعيّ، ولا الانقطاعات المُزمنة في الكهرباء. وهكذا يتحوّل الحصار في الخطاب الرسميّ إلى ذريعةٍ مُريحةٍ تُستخدم للتغطية على إخفاقات داخلية متراكمة. صحيح أنّ الضغط الأميركيّ يُفاقم الأزمة، لكنّه لا يفسّر جذورها.

تواجه كوبا اليوم أسوأ أزمة منذ بداية الثورة على الأقلّ. فقد بلغ معدّل التضخم الرسميّ 14% في عام 2025، فيما تُشير تقديرات مستقلة إلى أنّه قد يصل إلى 70%. وقد اعترف النّظام باستمرار الانكماش الاقتصاديّ، من دون تقديم أي أفق إصلاحيّ قابل للتطبيق. وما تعيشه كوبا هو نتيجة منطقيّة ومثبتة لنموذج فضّل الحفاظ على السلطة، والإيديولوجيا الماركسية، على حساب الازدهار المعيشيّ للمواطنين.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us