ما الهدف من إنشاء اللجنة العليا المشتركة المرتقبة بين لبنان وسوريا؟

ترجمة هنا لبنان 22 أيار, 2026

 

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

يناقش مجلس الوزراء يوم الجمعة مشروع إنشاء لجنة عليا مشتركة بين الحكومتَيْن اللبنانية والسورية، في إطار إعادة ترتيب العلاقات بين البلدَيْن، عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، ووصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى السلطة.
وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من الاتصالات الثنائية خلال الأشهر الماضية بين بيروت ودمشق.

تندرج هذه المبادرة ضمن مسارٍ من الحوار بين الجانبَيْن، لا سيما خلال زيارتَيْ رئيس الحكومة اللبنانية نوّاف سلام إلى دمشق في نيسان وأيار 2026. وقد اتفق الطرفان في ختام تلك اللقاءات على المضي نحو تشكيل لجانٍ مشتركةٍ وتقنيّةٍ تعالج الملفات الثنائية العالقة منذ عقود.

ويدخل البلدان اليوم مرحلة ترسيخ إطار سياسي دائم ومؤسّسي، يتولّى تنظيم مختلف مجالات التعاون اللبناني – السوري، والإشراف عليها.

ما هي هذه اللجنة؟

تُعدّ اللجنة العليا المشتركة في العلاقات بين الدول العربية آليّةً رسميّةً تضم ممثّلين رفيعي المستوى عن الحكومتَيْن، وتهدف إلى تنسيق السياسات العامة، ومتابعة تنفيذ الاتفاقات الثنائيّة، ومعالجة الخلافات في الملفات القطاعية.

ويمتلك لبنان هذا النّموذج من التعاون مع دول عربية أخرى، أبرزها الأردن، حيث عُقدت في كانون الثاني 2026 الدورة الثامنة للجنة العليا المشتركة اللبنانية – الأردنية برئاسة نوّاف سلام، ونظيره الأردني جعفر حسان، وأفضت إلى توقيع اتفاقات في مجالات الطاقة، والنقل، والتجارة، والزراعة، والتعاون المؤسّسي.

ويبدو أنّ المشروع المطروح مع دمشق يستلهم هذا الإطار، لكنّه يأتي في سياق أكثر تعقيدًا وحساسيةً، نظرًا إلى تاريخ العلاقات اللبنانية – السورية، وما يُرافقه من إرث سياسي وأمني، إضافةً إلى ملفّ النّازحين السوريين والانقسام الداخلي اللبناني حوله.

وبحسب المعطيات المتداولة من المُحادثات الأخيرة، يُفترض أن تعمل اللجنة كهيكل تنسيقي أعلى، يُشرف على لجان وزارية وتقنيّة متخصّصة تُعنى بملفّات أمنيّة، واقتصادية، وجمركية، وطاقوية، وقضائية، وحدوديّة. وتشمل هذه الملفات: مكافحة التهريب، وضبط الحدود، وإعادة فتح المعابر وتحديثها، وتسهيل حركة البضائع، والنّقل البري، والرّبط السككيّ، والتعاون في قطاع الطاقة، والرّبط الكهربائي، ونقل الغاز، وتوحيد المعايير الجمركيّة والفنيّة، وملف الموقوفين السوريين في لبنان والمفقودين اللبنانيين في سوريا، إضافةً إلى عودة النّازحين السوريين، وتنظيم اليد العاملة السورية في لبنان.

مراجعة الاتفاقيّات الموروثة من حقبة الأسد

إلى جانب التعاون التقني، يظلّ البُعد السياسي هو الأكثر حساسيّة. فمنذ سقوط نظام الأسد، تؤكد السلطات اللبنانية رغبتها في إعادة بناء العلاقة مع دمشق على قاعدة “دولة – إلى – دولة”، بما يتخطّى آليّات وُصفت بأنّها غير متوازنة، وموروثة من مرحلة الوصاية السورية.

تضمّ العلاقات الثنائية أكثر من أربعين اتفاقًا ومعاهدةً، إلى جانب عشرات البروتوكولات القطاعية التي وُقّعت خصوصًا في تسعينيّات القرن الماضي. ويأتي في مقدمتها معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق الموقّعة عام 1991، في سياق ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية، حين كانت سوريا تمارس نفوذًا مباشرًا على المشهد السياسي في لبنان.

وقد أفضت هذه المعاهدة إلى إنشاء المجلس الأعلى اللبناني – السوري في الثاني والعشرين من أيار 1991، بوصفه الإطار المؤسّسي الناظم للعلاقات بين البلدَيْن. وعلى مدى سنوات، اعتبره جزء من اللبنانيين تجسيدًا مؤسّساتيًا لمرحلة النفوذ السوري في لبنان. ثم جرى تجميد عمله تدريجيًا بعد انسحاب القوات السورية عام 2005، قبل أن تتوقّف أنشطته فعليًّا في السنوات الأخيرة.

اليوم، لا تتّجه بيروت نحو القطيعة مع هذه المنظومة بقدر ما تسعى إلى إعادة تقييمها، أو تعديلها، أو استبدالها كلّما اقتضت المصلحة اللبنانية. وتتركّز أبرز الإشكالات التي طُرحت منذ سنوات في شروط عبور البضائع عبر الأراضي السورية، والرسوم المفروضة على الصادرات اللبنانية، وبعض بنود التبادل الاقتصادي، إضافةً إلى ملف تقاسم مياه نهر العاصي الأورونتس، الذي تعتبره السلطات اللبنانية غير متوازن.

وفي هذا السياق، تبدو حكومة سلام وكأنّها تُراهن على اللجنة العليا المشتركة الجديدة لتكون أداة لإعادة مراجعة تدريجيّة لهذه المنظومة من الاتفاقات الموروثة، بما يتيح الحفاظ على تعاون ضروري للطرفَيْن، مع السعي في الوقت عينه إلى إعادة ضبط التوازن المؤسّسي والسياسي في العلاقات الثنائية.

ويبقى السؤال مفتوحًا حول مدى استعداد بيروت ودمشق للمضي في هذا المسار من إعادة الصياغة، وما إذا كان بالإمكان تصحيح اختلالات الماضي من دون خلق أشكال جديدة من الاعتماد أو التبعيّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us