العقوبات الأميركية: واشنطن تستهدف جهاز الدولة اللبنانية في الصميم!

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
بعيدًا عن الأسماء الّتي تستهدفها العقوبات الأميركية، أول ما يلفت الانتباه هو طبيعة هذه الأهداف. فإلى جانب السفير الإيرانيّ في بيروت محمد رضا شيباني، وست شخصيات وقياديين من حزب الله وحركة أمل، تضمّ قائمة واشنطن السوداء اليوم، وللمرة الأولى، مسؤولين يشغلون مواقع في الأجهزة الأمنية التابعة للدولة اللبنانية.
“هذه ليست سوى البداية”، صدر عن وزارة الخارجية الأميركية. وهو ما تؤكده معلومات نقلتها، نهار الجمعة، وسائل إعلام عربية ولبنانية مختلفة، نقلًا عن مصادر سياسية. ووفق هذه المصادر، قد تطال عقوبات إضافية مسؤولين أمنيين وإداريين في الدولة، متَّهمينَ بتسهيل عمل الوحدة 900 في حزب الله.
وتشير المصادر عينها إلى أنّ الولايات المتحدة تدرس أيضًا ملفات مرتبطة بـ”مجلس الجنوب”، الّذي يُشتبه في أنّه ساهم في دفع رواتب لمصلحة حزب الله. كما تبحث واشنطن في معطيات تتعلق بدور هذه المؤسسة في إنشاء بنى تحتية عسكرية للتنظيم في جنوب لبنان والبقاع الغربيّ. كذلك، يجري التحقيق في استخدام الوحدة 900 التابعة لحزب الله مرافق الجامعة اللبنانية.
وبالعودة إلى الإعلان الأساسيّ الّذي أصدرته الخميس وزارة الخزانة الأميركية، فقد فرضت الأخيرة عقوبات على تسع شخصيات لبنانية، اتهمتها بدعم استمرار نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة، وعرقلة مسار نزع سلاحه. من هم هؤلاء الأشخاص؟ وماذا تشمل هذه العقوبات عمليًّا؟ وما انعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على لبنان؟
الأشخاص المعنيون الرئيسيون
تستهدف العقوبات أربع شخصيات بارزة من حزب الله، في مقدمتها الوزير السابق محمد فنيش، رئيس المجلس التنفيذيّ في الحزب. كما تشمل النواب حسن فضل الله، وإبراهيم الموسوي، وحسين الحاج حسن. وتضم القائمة أيضًا مسؤوليْن أمنيّيْن من حركة أمل هما أحمد بعلبكي وعلي الصفاوي، بالإضافة إلى السفير الإيرانيّ في لبنان محمد رضا شيباني.
وعلى مستوى مؤسسات الدولة اللبنانية، طالت العقوبات مسؤوليْن اثنيْن في موقعيْهما الحاليَّيْنِ، هما العميد خضر ناصر الدين، رئيس دائرة الأمن القوميّ في الأمن العام، والعقيد سمير سامر حمادة، المسؤول عن الاستخبارات العسكرية في ضاحية بيروت الجنوبية.
وبحسب مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (Office of Foreign Assets Control – OFAC)، الجهة المسؤولة عن تنفيذ العقوبات، يُشتبه في أنّ هؤلاء الأشخاص قد ساهموا في الحفاظ على نفوذ حزب الله في مؤسسات الدولة، وعرقلة مسار نزع السلاح الّذي تطالب به واشنطن.
وردًّا على هذه الاتهامات، أصدر الجيش اللبنانيّ بيانًا الجمعة، أكد فيه عدم استلام أي معلومات رسمية تتعلق بالاتهامات الأميركية عبر القنوات المعتادة، مشددًا على أنّ عناصره يعملون باحترافية عالية وبأنّ ولاءهم يقتصر حصريًّا على المؤسسة العسكرية ولبنان.
تحوّل في طبيعة الاستهداف
منذ أكثر من عقديْن، تفرض الولايات المتحدة عقوباتٍ متكررةً على قيادات، وموظفين، وكيانات، وشبكات مرتبطة بحزب الله. ومؤخرًا، استهدفت واشنطن أيضًا آليات تمويل تابعة له، اتُّهمت بتأمين أكثر من 100 مليون دولار منذ عام 2020.
غير أنّ القرار الجديد يتميز بطابعه السياسيّ. فصحيح أنّ نوابًا من حزب الله كانوا قد خضعوا سابقًا لعقوبات، إذ شملت إجراءات عام 2019 النائبيْن محمد رعد وأمين شري، في سابقةٍ وُصفت حينئذٍ بأنّها الأولى من نوعها بحق نواب في البرلمان.
إلّا أنّ التحول هذه المرة أعمق، إذ تطال العقوبات مسؤولين يشغلون مواقع في داخل مؤسسات الدولة اللبنانية الرسمية. وتتهم السلطات الأميركية العميد خضر ناصر الدين، والعقيد حمادة بتزويد حزب الله بمعلومات حسّاسة، واستغلال مناصبهم في الأجهزة الأمنية لمصلحته.
“بالنسبة إلى واشنطن، لم تعد مسألة حزب الله تقتصر على وجود تنظيم مسلح موازٍ للدولة، بل باتت تشمل أيضًا نفوذه المفترض داخل البنى الرسمية”، وفق ما تنقله مصادر قضائية في حديث لموقع “Ici Beyrouth” تحت غطاء عدم الكشف عن الهوية. وكان وزير الخزانة الأميركيّ سكوت بيسنت قد أكد بدوره أنّ بعض المسؤولين الّذين سبق أن “تسلّلوا” إلى مؤسسات الدولة، يسهمون في عرقلة تسوية دائمة.
ماذا تعني هذه العقوبات عمليًّا؟
“لا تُعتبر عقوبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) أحكامًا قضائيةً، بل تندرج ضمن إطار القانون الماليّ الأميركيّ، وتهدف إلى عزل الأشخاص المستهدفين عن النظام الاقتصاديّ الدوليّ”، وفق ما يوضح مصدر قضائيّ.
عمليًّا، تُجمَّد جميع الأصول الموجودة في الولايات المتحدة، أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أو كيانات أميركية. كما يُمنع المواطنون والشركات الأميركية من إجراء أي معاملات مع الأشخاص المشمولين بالعقوبات. “وفي الواقع، يتجاوز الأثر الحدود الأميركية بكثير، إذ تتجنّب معظم المصارف الدولية، حرصًا على الحفاظ على وصولها إلى الدولار والسوق الأميركية، أي تعامل مع الأفراد المستهدَفين”، يضيف المصدر عينه.
وبالنسبة إلى نواب حزب الله أو مسؤولي حركة أمل، قد يكون الأثر الاقتصاديّ المباشر محدودًا، بحسب المصدر، إذا كانت أنشطتهم المالية منفصلة أصلًا عن النظام المصرفيّ الغربيّ. “ولكن في المقابل، تعقّد هذه العقوبات عمليات التنقل، والمعاملات الدولية، والشراكات التجارية، وأي تعامل مع مؤسسات مالية أجنبية”، بشكل كبير، بحسب المصدر.
ولا يقتصر الأثر على الجانب الاقتصاديّ، بل يمتد أيضًا إلى البعد السياسيّ. فوفق المصدر القضائيّ عينه، تسعى واشنطن إلى رفع كلفة أي تعاون مع حزب الله داخل الإدارة اللبنانية. وقد حذّرت وزارة الخارجية الأميركية أصلًا من أنّ هذه الإجراءات ليست سوى البداية، وأنّ أي شخص يواصل حماية حزب الله، أو دعمه، قد يكون عرضةً للاستهداف لاحقًا.
ما أثر ذلك على الدولة اللبنانية؟
يضع إدراج ضابطيْن في مواقع مسؤولية حالية السلطات اللبنانية أمام وضع دقيق.
فالولايات المتحدة تبقى الداعم الخارجيّ الرئيسي للجيش اللبنانيّ، إذ تقدم منذ سنوات معدات، وتدريبًا، ودعمًا لوجستيًّا للمؤسسة العسكرية، الّتي تُعدّ عمودًا من أعمدة التعاون الثنائيّ.
ومن شأن الاتهامات الموجهة إلى ضابط في الاستخبارات العسكرية، ومسؤول رفيع في الأمن العام أن تعيد طرح تساؤلات داخل الكونغرس الأميركيّ حول مدى تغلغل حزب الله في بعض مؤسسات الدولة.
لا مؤشرات حتى الآن على أنّ المساعدات الأميركية للجيش ستتأثر. غير أنّ بيروت قد تُدفع إلى فتح تحقيقات داخلية، أو اتخاذ إجراءات إدارية، بهدف الحفاظ على مصداقية مؤسساتها أمام المجتمع الدوليّ، لا سيّما الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان تنتظران… ولكن إلى متى؟
مواضيع ذات صلة :
ريفي: للمرة الأولى نشعر بأنّ الدولة اللبنانية تتصرف كدولة | تجمع “كلنا بيروت” رحّب بالتفاهم الأميركي – الإيراني: لحصر السلاح بيد الدولة | السلطة التنفيذية اللبنانية وحزب الله: تباين حادّ في الرؤى |




