السيادة المحظورة

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
لبنان جمهورية ممنوعة من ممارسة سيادتها بالكامل. فهي مُرغَمة دائمًا على التفاوض بشأن صلاحياتها الدستورية مع قوى هيمنة داخلية تستند إلى مشروع نفوذٍ إقليميّ. وفي خضمّ هذا التفاوض، هي مُطالَبة بالتنازل عن أجزاءٍ من سيادتها حفاظًا على تماسكها المعنويّ والقانونيّ، والتحصّن ضد اضطرابات أهلية تلوح في الأفق. وقد تحوّل هذا المشهد إلى نموذج، تفسَّر من خلاله الديناميات الصراعية المتكرّرة في تاريخٍ سياسيّ مضطرب.
ولذلك تصطدم المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، الّتي اقترحتها الرئاسة الأميركية ورعتها، بسياسة الهيمنة الشيعية المنخرطة في امتداد استراتيجية النظام الإيراني الامبراطورية. فمبدأ التفاوض بحد ذاته مرفوض انطلاقًا من إملاء أيديولوجيّ، واعتبارات استراتيجية تابعة للدكتاتورية الإسلامية. ويتجاهل هذا التموضع النصوص الوطنية والدستورية اللبنانية، ويتجاوزها بلا مواربة. وهكذا، ينخرط لبنان في هذه المفاوضات مُكرَهًا، بينما توضع رهانات استراتيجية، وإنسانية، وجيوسياسية كبرى على المحك.
ديناميات التقويض
تُهمَّش هذه الرهانات بفعل تغليب المصالح الاستراتيجية الإيرانية، بما يعيد إلى الأذهان أحجام الجغرافيا السياسية في أرض الإسلام. إذ يصبح تماسك الدولة الوطنية، ومبدأ السيادة القومية موضع تشكيك لصالح ديناميات تقويض تطرح أسئلة جوهرية حول النظام الدوليّ الوستفاليّ، وأطره المؤسساتية. مع ذلك، تجد السلطة اللبنانية نفسها تحت وطأة الضغط والإلزام كي تجد حلولًا ملموسة لحالة حرب مرشّحة، تصاعديًّا، لأن تؤدّيَ إلى انفجار لبنان وتحويله إلى أرضٍ محروقة. تكفي العدمية الّتي تطبع سياسة حزب الله للدلالة على أنّنا أمام نهج لا يعبأ بالأطر المعيارية والمؤسساتية المنظمة للنزاعات بين الدول في إطار دولة القانون.
يحاول الحكم التنفيذيّ التحرّر من قواعد اللعبة القائمة، ومن السردية الّتي تُلهمها، والسعي إلى تجاوز قيود السياسة العدمية وأدواتها. غير أنّ التناقضات بلغت حدًّا يجعل من الصعب تصوّر إمكان بلورة خطٍّ سياسيّ توافقيّ في غياب رؤية وطنية مشتركة، بينما تتعمّق الانقسامات حول إدراك الرهانات المطروحة. فمسألة المفاوضات تعيد طرح إشكالية الشرعية الوطنية للدولة اللبنانية، وقضايا السيادة، ووحدة الأراضي وتجلياتها المتباينة، وطابع العلاقات الاستنسابي مع دول المنطقة، والمحظورات الأيديولوجية المرتبطة بالسلام مع دولة إسرائيل، في وقتٍ أدّت فيه حروب الاختيار الّتي أعلنها حزب الله، وسوابقه الممتدة على مدى سبعين عامًا، إلى تدمير إمكان قيام الدولة اللبنانية.
رهان السياسة الداخلية
ليست مسألة المفاوضات والسلام شأنًا من شؤون السياسة الخارجية فحسب، بل هي، في جوهرها، قضية سياسة داخلية، لأنّها تكشف الشروط المعطلة لقيام الكيان الوطنيّ اللبنانيّ، وتضع موضع التساؤل إمكان وجود دولة ذات سيادة أصلًا. فالانقلاب الّذي جرى تدبيره منذ اتفاق الطائف، كما نهاية الحرب الأهلية الافتراضية وتعدّد سردياتها، يضعاننا أمام واقع دولةٍ متخيَّلة. وقد شكّلت هذه الدولة غطاءً ورافعةً لسياسات تقويض متعاقبة، نخرت الوجود الوطنيّ وضربت معنى الدولة وسبب قيامها. يصطدم عرض السلام الّذي تطرحه الرئاسة الأميركية، شأنه شأن برامج التحكيم والمساعدات العسكرية المقدَّمة إلى الدولة اللبنانية، بأقفال سياسية ومؤسساتية، وبمعوّقات تتصل بالوفاق الأهليّ بحد ذاته.
تضع هذه المقاربة السلمية لبنان أمام حقائقه الوجودية، وأمام إمكان التوصّل إلى حلول تفاوضية لقضايا تتموضع عند تقاطع الداخل والخارج، في وقتٍ تتعمّق فيه الانقسامات حول الخيارات السياسية الأساسية، وتتبدّل الاصطفافات على نحوٍ يزيد من حدة التباعد. وتقف العدمية الّتي تحكم سياسة حزب الله في أصل ديناميةٍ صراعية تدفعُ، عن قصد، نحو سياسة الأرض المحروقة، والحرب الأهلية، والفوضى المُمَأسسة. ومن شأن العرض الّذي تقدّمه الإدارة الأميركية أن يُكرّس خيار السلام التفاوضيّ، وأن يؤمّن شروط المواجهة الحتمية مع سياسة التقويض الّتي يعتمدها الإسلام السياسيّ الشيعيّ.
تمتدّ ساحات الاشتباك من إيران إلى المشرق العربيّ، والتحدّي بات داهمًا، وعلى كلّ طرف أن يختار موقعه. فالهجوم المضاد الأميركيّ-الاسرائيليّ يعيد رسم المعادلات ويبدّل قواعد اللعبة. ولبنان بات مُلزَمًا بحسم خياره، ولم تعد الديناميات السياسية الداخلية قادرة على مواصلة الدوران في جدالاتٍ عقيمة لا تنتهي. لم يعد الأمر متصلًا بالبحث عن تسوياتٍ ظرفية، بل بمواجهة خياراتٍ استراتيجية كبرى، وبصراعٍ حول رؤية بديلة للنظام الاقليميّ، والسياسيّ، والمؤسساتيّ.
مواضيع ذات صلة :
ترحيب واسع باتفاق الإطار: “السيادة عنوان المرحلة وزمن الممانعة انتهى”! | أولى خطوات استعادة السيادة… لبنان يوقّع اتفاق الإطار | مفهوم السيادة اللبنانية |




