لبنان: “انتصارات” حزب الله الكثيرة والمزيّفة

ترجمة هنا لبنان 4 حزيران, 2026

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth”:

إنصاف حزب الله ضروريّ: إذ قلّما نجد تنظيمًا يُكدّس هذا القدر من “الانتصارات”، وبهذه الاستمرارية اللافتة.

منذ 26 عامًا، كان الإسرائيليّون على الجانب الآخر من الحدود. وبفضل حزب الله، ها هم قد عادوا إلى لبنان. واليوم، يُرفرف العلم الإسرائيليّ فوق قلعة الشقيف بوفور الرمزية. هنا سجّلوا “انتصارهم” الأول.

وقبل الثامن من تشرين الأول 2023، تمتّع جنوب لبنان بحياة مستقرّة نسبيًّا. ولكن بفضل “حروب الإسناد” الّتي خاضها حزب الله، أوّلًا دعمًا لحماس ثم لإيران، دُمّرت بلدات ومدن بأكملها. وهنا سجّلوا “انتصارًا” آخر.

ومنذ الثاني من شهر آذار، وبفضل حزب الله، سُجّل أكثر من 3.500 قتيل بشكلٍ رسميّ، أضيفوا إلى قوائم الموت في الجهة الأخرى، مع أنّ الأعداد تفوق ذلك في الواقع. “انتصار” إضافيّ.

قبل هذه المغامرات العسكرية الّتي اتُّخذت باسم الجميع من دون استشارة أحد، كان الاقتصاد اللبنانيّ يرزح تحت أزمة خانقة. وبفضل حزب الله، انتهى به المطاف اليوم إلى انهيار شبه شامل، فيما تتلاشى فرص إعادة الإعمار كافة، وتبتعد شيئًا فشيئًا في أفقٍ يزداد قتامةً وغموضًا. وهذا أيضًا، “انتصار”.

ولا يمكن إغفال “الإنجاز” الديموغرافيّ. فمنذ عقود، سعت الميليشيا وبيئتها السياسية إلى إعادة تشكيل التوازنات السكانية عبر مشاريع نفوذ وعمران متفرّقة. وجاءت النتائج محدودة. ثم أتت الحروب.

وبفضل حزب الله، نزح أكثر من مليون لبنانيّ من منازلهم، وتوزّعوا على مختلف المناطق. ما عجزت عنه سنوات طويلة من “الهندسة الاجتماعية”، تحقّق خلال أشهر قليلة. وهنا، “انتصار” تاريخيّ.

أمّا إيران، المُحرّك الاستراتيجيّ الفعليّ لهذه الميليشيا غير الشرعية، فتجد نفسها أيضًا في موقع المستفيد من هذه النتائج. لبنان يدفع الثمن، بينما تحتفظ طهران بأداتها الفاعلة. وقد عادت الحياة بهدوء إلى إيران، فيما بقيَ لبنان الساحة الوحيدة المفتوحة… الوحيدة.

يُحاول دونالد ترامب الدفع نحو هدنة دائمة بين إسرائيل وحزب الله. لكنّ السؤال الجوهريّ يبقى: هل ستقبل طهران بأن يُسجَّل هذا الإنجاز سياسيًّا باسم واشنطن؟! في الحسابات الإيرانية، لا يبدو ذلك واردًا.

منذ سنوات، تُدار الساحة اللبنانية في إيران بمنطق النّفوذ الاقليميّ، لا بمنطق التسويات المحلية. ومن هذا المنظور، لا يُسمح أن يتحوّل وقف إطلاق النار إلى مكسب أميركيّ خالص؛ فعلى “الإنجاز”، إن حصل، أن يمر عبر البوّابة الإيرانية.

وبينما تستمرّ المفاوضات الأميركية – الإيرانية في الدوران في حلقة مغلقة، يبقى التصعيد قائمًا، ممّا يعقّد أي محاولة لبناء مسار لبنانيّ مستقل في واشنطن، حيث يحاول بعض الوسطاء فصل الملفَّيْن من دون إحراز أي نجاح يُذكر.

في هذا السياق، يُصبح السؤال عن “الخطوة التالية” أكثر قتامة من كونه افتراضيًّا: فإذا كان منطق المرحلة قائمًا على أنّ استمرار الفوضى هو الضمانة الوحيدة لعدم الوصول إلى تسوية نهائية حول السلاح، فإنّ الاتجاه يبدو أقرب إلى تصعيد مفتوح بلا سقف واضح.

ومع استمرار التمركز بين المدنيّين، وتوسيع حضور السلاح في مناطق يُفترض أنّها آمنة، كما برز في أحداث مدينة صور، تزداد احتمالات انزلاق داخليّ خطير، يُعيد إلى الأذهان بدايات 1975، ولكن في سياق أكثر تعقيدًا وثقلًا مع دخول المُسيّرات والصواريخ على خط المعادلة، وعندها تكتمل الدائرة.

في المُحصلة، يبقى حزب الله حالةً سياسيةً – عسكريةً، أعادت دائمًا صياغة الخسائر بوصفها “انتصارات”، وألبست الكلفة البشرية والمادّية خطابًا تعبويًّا مُستمرًّا، يفرض قراءته على الواقع.

والمفارقة الأشدّ قسوة أنّ اللبنانيين يُستدرجون، بعد كل أزمة، إلى انتظار “إنجاز” جديد، بينما تتآكل المسافة بين الخطاب والواقع، ويتحوّل التكرار إلى قدر يوميّ.

قبل أكثر من ألفيْ عام، قال شيشرون: “قد تصمد أمة أمام حمقاها، وقد تصمد أمام طموحاتها، لكنّها لا تصمد أمام الخيانة عندما تأتي من الداخل”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us