هل يمكن تطبيق النموذج البوسني على لبنان؟

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth”:
قبل ثلاثين عامًا، نظرت أوروبا إلى البلقان المشتعل وتساءلت: كيف يمكن إعادة جمع شتات بلدٍ شرذمته الحرب. واليوم، تتجه الأنظار نحو لبنان فيتكرر السؤال، وبالارتباك المعهود عينه.
أوقعت حرب البوسنة والهرسك نحو 100 ألف قتيل، نصفهم من المدنيين، وأنتجت مليونيْ لاجئ. وانتهت في تشرين الثاني 1995 بمعاهدة دايتون، الّتي وُقّعت في باريس بعد مفاوضات تحت ضغط أميركيّ. يستحقّ ما أرسته هذه الاتفاقية التوقف عنده، ليس من باب الحنين الأكاديميّ، بل لأنّ المقارنة مع لبنان اليوم تبدو أكثر من مجرد صدفة تاريخية.
لقد أنشأت معاهدة دايتون رئاسة جماعية دورية من ثلاثة أعضاء: بوسني مسلم، وكرواتي كاثوليكي، وصربي أرثوذكسي، للتناوب على رئاسة الدولة. وأُعيد تشكيل الدولة بصيغة فيدرالية تقوم على كيانيْن: جمهورية صرب البوسنة في الشمال والشرق، وهي كيان مركزيّ موحّد، واتحاد البوسنة والهرسك في الوسط والغرب، وهو بدوره مقسّم إلى عشرة كانتونات لامركزية. وفوق هذيْن الكيانيْن، أُقيمت دولة مركزية محدودة الصلاحيات، تتولى أساسًا السياسة الخارجية والجمارك والسياسة النقدية، تحت إدارة رئاسة جماعية دورية.
وعلى المستوى العسكريّ، لم تكتفِ المجموعة الدولية بالتمنيات. فقد نشر حلف شمال الأطلسي قوة تنفيذية (IFOR) ، ولم تقتصر مهمتها على حفظ السلام، بل على فرضه عند الضرورة، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ثم استُبدلت بعد عام بقوة الاستقرار (SFOR)، الّتي ساهمت في تثبيت الأمن وتسهيل إعادة إعمار البلاد. وقد احتفظ كل مكوّن بقدرات شرطية خاصة به، فيما أُنشئ جيش وطنيّ موحّد، تدريجيًّا، مع ترسيخ الفصل بين الصلاحيات الوطنية والمحلية في الدستور، بصورة صارمة.
من لا يرى لبنان فورًا في هذه المرآة؟
بلدٌ بثلاث طوائف رئيسة: مسيحيون وسنّة وشيعة، تقوم فيه بنية السلطة الطائفية على تسوية وُلدت تحت ضغط خارجيّ، أي ميثاق 1943 الوطنيّ، الّذي جرى ترسيخه لاحقًا في اتفاق الطائف عام 1989. رئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة الحكومة للسنّة، ورئاسة البرلمان للشيعة. تقاسمٌ للسلطة بين ثلاثة، كما في سراييفو. يبدو التشابه المؤسساتيّ لافتًا.
إنّما، يتعثر التشبيه هنا بالتحديد، وبشكل جديّ.
فالبوسنة ما بعد دايتون اشتغلت، بشكل ناقص ومؤلم نعم، لكنّها اشتغلت. لأنّ القوى المقاتلة أصبحت منزوعة السلاح أو جرى دمجها في داخل الدولة. ولم تبقَ أي ميليشيا كقوة مسلحة مستقلة تنافس مؤسساتها. أمّا حزب الله، فليس مجرد امتداد لمرحلة حرب أهلية. إنه فاعل إقليميّ مرتبط بإيران، يمتلك ترسانة تفوق قدرات الجيش اللبنانيّ النظاميّ، ويحمل عقيدة تتجاوز حدود الدولة. نزع سلاح صرب البوسنة أو كروات البوسنة كان عملية عسكرية ودبلوماسية هائلة؛ أمّا نزع سلاح حزب الله فهو مواجهة مع طهران قبل أن يكون مواجهة داخلية.
الفارق الثاني: جغرافيا الضمانات. نجحت معاهدة دايتون لأنّ الاتحاد الأوروبيّ مثّل أفقًا واقعيًّا للاندماج أمام جميع الأطراف. تقدمت البوسنة بطلب عضوية الاتحاد عام 2016، ومنحها الاتحاد صفة مرشح عام 2022. وشكل هذا الأفق الأوروبيّ عامل ضبط للسلوك السياسيّ، ولو بشكل جزئيّ. أمّا لبنان، فلا يملك أفقًا إقليميًّا مماثلًا. جاراه هما إسرائيل وسوريا. وتتباين مصالح رعاته الخارجيين، أي السعودية، وإيران، وفرنسا، والولايات المتحدة، ولا يجمع هذه الدول مشروع مشترك للبنان.
الفارق الثالث والأعمق: كانت الحرب قد انتهت في دايتون. وطرفا النزاع كانا مرهقيْن، عسكريًّا ومعنويًّا. أمّا في لبنان، فيبقى وقف إطلاق النار مع إسرائيل هشًّا أو غير مكتمل، ولم تتخلَّ إيران عن استراتيجية النفوذ. وحزب الله، رغم ما أصابه من إنهاك، ما زال عنصرًا حاسمًا في التوازنات الداخلية. ويفترض توقيع تسوية شبيهة باتفاقات دايتون أن يقتنع الجميع بأنّ كلفة استمرار الحرب تفوق كلفة التسوية. وهذا الشرط لم يتحقق بعد.
مع ذلك، يحمل النموذج البوسنيّ درسًا لا يمكن تجاهله لدى الدبلوماسيين المنشغلين بلبنان. فمعاهدة دايتون كانت ضروريّة لإنهاء الحرب، لكنّها كانت سيئة التكييف مع السلام. إذ جرى تجميد التناقضات الهوياتية لإيقاف القتال، مقابل كلفة بنيوية تمثلت في شلل سياسيّ مزمن ما زال قائمًا حتى اليوم. ولبنان يعيش شكلًا من هذا الشلل منذ الطائف. بالتالي، لن يعالج الجذور أي “دايتون لبنانيّ” جديد، بل سيعيد إنتاج الأزمة بصيغة أكثر استقرارًا ظاهريًّا، وأكثر انسدادًا عمليًّا.
السؤال الحقيقيّ إذًا ليس ما إذا كان الاقتداء بالنموذج البوسنيّ ممكنًا. بل ما إذا كان لبنان قد وجد، أو سيجد يومًا، نسخته الخاصة من “دايتون”، أي اللحظة الّتي تدرك فيها جميع الأطراف، بما فيها تلك الّتي تراهن على الحرب كأداة نفوذ، أنّ كلفة الاستمرار باتت أعلى من كلفة التسوية.
لم نبلغ بعد هذه اللحظة، لكنّها قد لا تكون بعيدة جدًّا.




