الأصول المُجمّدة أم العقوبات: خيار إيران الاستراتيجيّ

كتبت Liliane mokbel لـ”Ici Beyrouth”:
بالنسبة إلى طهران، لا يتمحور الرهان الأساسي في المفاوضات مع واشنطن على استعادة أصولها المُجمّدة في الخارج، بل حول رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية. فمن دون إعادة إدماجها في النظام المالي الدولي، لا تمثّل المليارات المُجمّدة سوى جرعة أكسجين مؤقتة لاقتصاد يرزح تحت وطأة التضخّم والعزلة.
نحو 120 مليار دولار. هذا هو حجم الأصول الإيرانية المُجمّدة حول العالم، بحسب تقديرات نقلتها وسائل إعلام إيرانية متعددة. وهذه الأموال، النّاتجة أساسًا من صادرات نفط الجمهورية الإسلامية، مُجمّدة منذ سنوات في دول مختلفة، خصوصًا في الصين وكوريا الجنوبية وقطر وبعض الدول الأوروبية.
في الظاهر، قد يبدو استرجاع هذه السيولة المالية أولويةً مطلقةً بالنسبة إلى نظام الملالي. غير أنّ الكثير من مراقبي المفاوضات الإيرانية – الأميركية يرون أنّ الرهان الحقيقيّ يكمن في مكان آخر: في رفع العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة.
سياسة الضغط الأقصى
منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2015، عملت واشنطن تدريجيًّا على تشديد استراتيجيتها المعروفة بـ”الضغط الأقصى”. الهدف واضح: خنق الاقتصاد الإيراني ماليًا لدفع طهران إلى التفاوض.
تعتمد هذه السياسة على آليّة شديدة الفعّالية. إذ تهدّد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على أي بنك أو شركة دولية تتعامل مع إيران. والنتيجة: حتى عندما تبيع إيران نفطها، لا تتمكّن دائمًا من التصرّف بحرية بالعائدات.
“لا يمكنك إرسال دولار إلى إيران ولا استقباله منها”، يُلخّص أحد المتخصّصين في الشأن الإيراني. وهكذا، تبقى عائدات النفط المُجمّعة في دول مختلفة مجمّدة في حسابات ضمان، أو خاضعة لقيود صارمة على استخدامها.
كما تُعيق هذه الوضعية الاستثمارات الأجنبية. إذ ترفض الكثير من الشركات الدولية العمل في إيران، ليس لغياب الجدوى الاقتصادية، بل خوفًا من استبعادها من النظام المالي الأميركي.
لماذا لا تكفي الأصول المُجمّدة
في المفاوضات الحالية، تُطالب طهران خصوصًا بالإفراج الفوري عن 12 مليار دولار من دون مقابل. وبالنسبة إلى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، تمثّل هذه الخطوة بادرة حسن نية من الجانب الأميركي، وينبغي أن تشكّل واحدةً من المراحل الأولى لأي اتفاق محتمل.
ولكن، حتّى في حال الإفراج عن هذا المبلغ، يبقى أثره محدودًا مقارنة بحاجات البلاد.
فإيران، التي يُناهز عدد سكانها 90 مليون نسمة، تواجه تحدّيات اقتصادية هائلة. وتمثل الـ12 مليار دولار المطلوبة ما يقارب ثلث ميزانية الدولة السنوية فحسب.
والأهم من ذلك أنّ الأصول المُجمّدة ليست كلّها قابلة للاسترداد الفوري. فجزء منها يستخدم كضمان لسداد ديون مترتّبة على إيران. وترتبط أجزاء أخرى باستثمارات، أو تخضع لتعقيدات قانونية. كما أنّ هذه الأموال موزّعة على دول متعددة، وغالبًا ما يتطلّب الإفراج عنها مفاوضات منفصلة.
أكبر المبالغ التي يسهل الوصول إليها موجودة أساسًا في قطر، إنّما حتى هذه الموارد خضعت لشروط صارمة لمدة طويلة، إذ لم يكن يُسمح باستخدامها سوى لتمويل مشتريات إنسانية أو سلع أساسية موجّهة إلى السكان.
القيد الحقيقي: العقوبات
بالنسبة إلى الاقتصاديين، تكمن المشكلة الإيرانية الأساسية أقلّ في الأصول المجمّدة وأكثر في العزلة المالية التي تعيشها البلاد.
فما دامت العقوبات الأميركية قائمة، سيبقى الاقتصاد الإيراني معزولًا عن دوائر التجارة والاستثمار والتمويل الدولية.
وستواصل الشركات الأجنبية تجنّب السوق الإيرانية. وستبقى التحويلات المصرفية معقّدة. وستظل صادرات النفط خاضعة لقيودٍ مشددةٍ.
بمعنى آخر، حتّى في حال استعادة جزء من الأموال المجمّدة، سيستمر الاقتصاد في العمل تحت دعم موقت.
ولهذا السبب، يرى بعض المراقبين أنّ الملف النووي بات ثانويًا في المحادثات الحاليّة. فالعودة إلى مبادئ اتفاق 2015 تبدو ممكنة تقنيًا، لكنّ المعركة الحقيقية باتت تدور حول تخفيف نظام العقوبات.
اقتصاد ينهشه التضخم
تتفاقم حدّة الاستعجال الاقتصادي مع بلوغ التضخّم مستويات مقلقة للغاية.
وبحسب أرقام نقلتها صحيفة “Iran Daily”، بلغ معدل التضخّم نحو 70% في نيسان، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 115% منذ بداية النزاع. أمّا غياب نشر إحصاءات شهر أيار، فيُغذّي تكهّنات بتفاقم إضافي في الوضع.
منذ النزاع مع الولايات المتحدة، تسارعت وتيرة ارتفاع الأسعار. وبالنسبة إلى الكثير من الأسر، تضاعفت تقريبًا كلفة المواد الأساسية.
ويمثل هذا الوضع خطرًا سياسيًا كبيرًا على السلطات الإيرانية. فقد أظهرت التجربة الحديثة أنّ موجات الاحتجاج قد تتسع بسرعة عندما تصبح الضغوط المعيشية غير محتملة.
سابقة الملفّ النووي
يشير مؤيّدو الإفراج السريع عن الأصول إلى أنّ جزءًا من هذه الموارد يمكن توجيهه لشراء الأدوية والمواد الغذائية، أو لتمويل برامج اجتماعية طارئة.
لكن المُشكّكين يذكّرون بأنّ تجربة الاتفاق النووي عام 2015 لم تُترجم إلى تحسّن ملموس ومستدام في مستوى معيشة السكان.
ففي ذلك الوقت، لم يؤدِّ الإفراج الجزئي عن الأصول ورفع بعض العقوبات إلى انعكاس اقتصادي دائم على الواقع المعيشي.
ويعزو الكثير من الاقتصاديين الإيرانيين هذا الإخفاق إلى الفساد البنيوي وضعف الحوكمة، وتوجيه جزء كبير من الموارد نحو البرامج العسكرية والصاروخية والنووية، إضافةً إلى دعم حلفاء طهران في الإقليم.
وبحسب تقديرات متعددة، يخضع نحو 70% من الاقتصاد الإيراني بشكل مباشر أو غير مباشر لسيطرة الحرس الثوري أو لمؤسّسات دينية شبه حكومية تُعرف باسم “Bonyads”، وهي مؤسّسات تتمتّع بإعفاءات ضريبية واسعة ونفوذ اقتصادي كبير.
ما بعد النزاع، تحدٍّ هائل
إلى جانب ضغط التضخم، يتعيّن أن تتحضّر إيران أيضًا لإعادة إعمار البنى التحتية التي تضرّرت جرّاء الاشتباكات الأخيرة.
وتُقدّر السلطات الإيرانية كلفة إعادة الإعمار بنحو 270 مليار دولار.
في هذا السياق، ستكون الخيارات المقبلة حاسمة، إذ ينبغي توجيه الموارد المالية المُتاحة نحو الاحتياجات الاجتماعية ومتطلّبات إعادة الإعمار وضرورات النظام الأمنية.
بالنسبة إلى طهران، تمثّل استعادة جزء من الأصول المجمّدة، من دون شك، مسألة سيادة وكرامة وطنية. غير أنّ مفتاح التعافي الاقتصادي الحقيقي يبقى في رفع العقوبات الأميركية.
فمن دون إعادة فتح القنوات المالية الدولية، لن تكفي حتّى عشرات المليارات من الدولارات المستعادة لإخراج اقتصاد يرزح تحت ثقل التضخّم والعزلة واختلالات بنيوية عميقة.




