الحرب في الشرق الأوسط: ما هي استراتيجية التصعيد المدروس؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:
تهديدات علنية، وضربات دقيقة، واستعراض للقوة، ودعوات متزامنة إلى خفض التصعيد والتفاوض… قد يبدو الصراع الّذي يهزّ الشرق الأوسط اليوم مليئًا بالمفارقات. غير أنّ منطقية استراتيجية واضحة، معروفة بـ “التصعيد المدروس” تبرز خلف هذا المشهد المتشابك. فما آليات هذه الاستراتيجية؟ وأين تقع خطوطها الحمراء؟ وما المخاطر الّتي قد تنجم عنها؟
منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من تشرين الأول 2023، اتسعت دائرة الأطراف المنخرطة في النزاع بشكل متواصل. فإسرائيل، وإيران، والولايات المتحدة، وحزب الله، والحوثيون، والفصائل المسلحة العراقية، يتأرجحون بين استعراض القوة وضبط النفس. يضرب كل طرف خصمه، إنّما غالبًا ضمن حسابات دقيقة؛ ويُطلق التهديدات، مع الحرص في الوقت عينه على إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة.
ولا يتمثل الهدف بالضرورة في إشعال حرب شاملة، أو في تحقيق نصر حاسم وسريع، بل في زيادة الضغط تدريجيًّا لانتزاع مكاسب أو تنازلات سياسية واستراتيجية. ويوضح الجنرال Olivier Passot ، الباحث المشارك في المعهد الاستراتيجيّ للبحوث التابع للمدرسة العسكرية الفرنسية، والرئيس السابق لخلية الارتباط في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth بأنّ “التصعيد المدروس يشكّل وسيلة لتعديل ميزان القوى لمصلحة طرف معيّن، من دون تجاوز العتبة الّتي قد تدفع الأطراف إلى الانزلاق نحو نزاع واسع النطاق”. ويضيف بأنّ هذا النهج يختصر جوهر الاستراتيجية المعتمدة في الحرب الدائرة حاليًّا، القائمة على “فرض الإرادة على الطرف الآخر أو دفعه إلى القيام بما يُراد منه”.
كما يفسّر هذا النهج سبب تقدّم العمليات العسكرية والمساعي الدبلوماسية جنبًا إلى جنب في كثير من الأحيان. ويذكّر Passot بأنّ ” Carl von Clausewitz، الضابط والمفكر العسكريّ البروسيّ في مطلع القرن التاسع عشر، كان يرى أنّ الحرب ليست منفصلة عن السياسة، بل هي امتداد لها بوسائل أخرى”. وعليه، تبدو الضربات العسكرية والمفاوضات الدبلوماسية وجهيْن لعلاقة قوى واحدة.
حرب العتبات والخطوط الحمراء
يقوم التصعيد المدروس على مبدأ بسيط: زيادة الضغط تدريجيًّا مع تجنّب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وقد يأخذ هذا التصعيد بُعدًا عموديًّا عندما ترتفع وتيرة الضربات، أو يجري استخدام أسلحة جديدة. كما قد يتخذ بُعدًا أفقيًّا عندما يمتد النزاع إلى ساحات جديدة، أو يستقطب أطرافًا إضافية، لا سيّما في إطار الحروب بالوكالة.
وتؤدي “الخطوط الحمراء” دورًا محوريًّا في هذه المعادلة. ويوضح الخبير بأنّ “المنظّرين الليبراليين يروْن أنّ هذه الخطوط يحددها القانون الدوليّ أو بعض المبادئ، فيما يعتبر الواقعيون أنّها تُرسم وفق مصالح الأطراف”. وفي السياق الراهن، يبدو أنّ هذه المصالح الاستراتيجية هي الّتي تتقدّم المشهد، سواء تعلّق الأمر بالبرنامج النوويّ الإيرانيّ، أو أمن إسرائيل، أو حرية الملاحة في مضيق هرمز، أو الحفاظ على القدرات العسكرية المتعلقة بمختلف الأطراف المنخرطة في النزاع.
حالة الولايات المتحدة وإيران
في حديث إلى Ici Beyrouth يرى الجنرال François Chauvancy ، الخبير في الاستراتيجية والدفاع، والمستشار في الشؤون الجيوسياسية، والممثل السابق لفرنسا لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ورئيس تحرير مجلة “ديفانس” التابعة للمعهد الفرنسيّ للدراسات العليا للدفاع الوطنيّ، أنّ العمل العسكريّ لا يمكن فصله عن العمل الدبلوماسيّ. ويوضح بأنّ “لجوء الولايات المتحدة إلى استراتيجية التصعيد المدروس يقوم أولًا على الردّ على أي تحرك إيرانيّ بصورة محسوبة، بما يجنّب في الوقت عينه الانزلاق إلى تصعيد عسكريّ واسع، أو نسف المفاوضات الجارية”.
ويتمثل الرهان الثاني، بحسب Chauvancy ، في الحؤول دون تفاقم النزاع على نحو قد يربك الأجندة السياسية الأميركية، سواء على مستوى الاستحقاقات الدولية، أو الأحداث الكبرى، أو الاعتبارات الداخلية المرتبطة بالاستحقاق الرئاسيّ. أمّا الخط الأحمر الأبرز بالنسبة إلى واشنطن، فيبقى عدم سقوط قتلى أميركيين. فطالما ظلت الأضرار مادية ومحدودة، يمكن احتواؤها عسكريًّا وإعلاميًّا، وإن كانت تستوجب ردًّا.
وفي المقابل، تبدو المقاربة الإيرانية قائمة على منطق مشابه. ويشرح Chauvancy بأنّه “عندما تُستهدف قواعد أميركية، لا يكون الهدف بالضرورة إلحاق أضرار كبيرة، بقدر ما يكون توجيه رسالة سياسية”. فالمقصود، بحسب الأخير، هو تأكيد القدرة على الرد، وإظهار أنّ خيار المواجهة لا يزال قائمًا، من خلال الفعل العسكريّ بحد ذاته.
وعليه، تحمل الرسائل المتبادلة بين الطرفيْن بعدًا مزدوجًا: الإبقاء على هامش للتفاوض من جهة، وإظهار الاستعداد لاستخدام القوة من جهة أخرى، من دون تجاوز عتبة المواجهة الشاملة.
خطر الانزلاق
غير أنّ التصعيد المدروس لا يبقى دائمًا تحت السيطرة. فأخطر ما ينطوي عليه هو احتمال سوء التقدير، أو سوء فهم الرسائل المتبادلة. فما قد يعتبره طرفٌ عملًا محدودًا ومحسوبًا، قد يراه الطرف الآخر تجاوزًا لعتبة حساسة، بما يطلق سلسلة من ردود الفعل يصعب احتواؤها.
وتعيد هذه الإشكالية إلى تحليلات Carl von Clausewitz ، الّذي رأى أنّ كل نزاع يحمل في داخله ميلًا إلى “التصعيد نحو أقصى الحدود”. فكل طرف يسعى إلى فرض إرادته على خصمه، ما يغذّي دينامية المزايدة والتصعيد. إلّا أنّ هذه النزعة تصطدم في الواقع بقيود سياسية، واقتصادية، ودبلوماسية، تحدّ من اندفاعها.
كما تساعد أعمال الباحث النمساويّ Friedrich Glasl على فهم هذه الظاهرة. فوفق نموذجه، يمكن أن ينتقل النزاع تدريجيًّا من مرحلة المواجهة الكلامية إلى منطق التدمير المتبادل. ومن هنا تظهر أهمية الوساطات الدولية الّتي تسعى إلى منع هذا الانزلاق من خلال الإبقاء على قنوات التواصل وآليات خفض التصعيد.
وعن مدة هذه الدينامية، يؤكد Chauvancy بأنّها بطبيعتها مؤقتة، وتندرج ضمن إطار زمنيّ ضاغط قد يمتد حتى منتصف تموز، حيث يُرجّح أن تسعى الولايات المتحدة إلى تجنّب أي مواجهة كبرى، مع ربط مسار الأزمة بإحراز تقدم على المستوى الدبلوماسيّ.
وفي خلال هذه الفترة، قد تلجأ واشنطن، وفق الأخير، إمّا إلى تشديد ضرباتها، وإمّا إلى اعتماد استراتيجية استنزاف، تقوم على الإبقاء على الضغوط الاقتصادية بهدف وضع إيران في موقع أضعف، ودفعها إلى التفاوض من شروط أقل ملاءمة.
في الواقع، لا تُعدّ هذه الاستراتيجية جديدة. ولعلّ أبرز مثال على ذلك يبقى أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين جمعت الولايات المتحدة بين استعراض القوة، وفرض حصار بحريّ، وإجراء مفاوضات سرية، ما أفضى في نهاية المطاف إلى سحب الصواريخ السوفياتية. ويذكّر الجنرال Passot بأنّ “الضغط والتفاوض سارا آنذاك جنبًا إلى جنب”.
وبعد أكثر من ستة عقود، يبدو أنّ الشرق الأوسط يعيد إنتاج نسخة معاصرة من هذه المعادلة. فالضربات، والتهديدات، والردود المتبادلة تتوالى، لكنهّا تندرج ضمن مسار يسعى فيه كل طرف إلى إثبات عزمه، وإظهار قدرته على الردع، من دون بلوغ نقطة الـ “لا عودة”. وتلك هي المفارقة الجوهرية في استراتيجية التصعيد المدروس: استخدام التهديد بالحرب لمنع تحوّلها إلى حرب شاملة.
مواضيع ذات صلة :
طيران الشرق الأوسط: لإعادة تسيير الرحلات من الكويت وإليها | بعد المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية… الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة ولبنان في عين العاصفة | خرافات أربع وحقائق أربع! |




