مفاوضات لا تُفضي إلى شيء!

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
لا يثير هذا الاستنتاج الاستغراب لأنّه يرتبط بنمط عمل لم يُنكر يومًا في تاريخ المفاوضات الإيرانية، إلى درجة يطرح معها سؤال حول غاية هذه المحادثات الحقيقية بالنسبة إلى النظام الإيرانيّ. ماذا يريد الأخير من مفاوضات تُطلق عبر مسار طويل، تتخلّله نزاعات تندرج ضمن استراتيجيّات التخريب الّتي انتهجها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط؟ لسنا هنا أمام مسار يهدف إلى تسوية النزاعات، بل أمام منطق تأجيل الصراعات، والمماطلة، وكسب الوقت، وتفادي المواجهة.
تُشكّل هذه السمات، بعيدًا عن كونها ظرفيّة أو عابرة، رصيدًا ثابتًا ينبغي من خلاله تفكيك سياسة النظام الإيرانيّ الدولية. إذ تعيد المفاوضات المتعلّقة بالملفّات الشائكة ضمن بنية صراعية دائمة التحوّل إنتاج الانسداد عينه، وتؤطّر سلوك هذا النظام الشموليّ، مهما كانت القضايا المطروحة. تتقاطع ملفات النوويّ، ومضيق هرمز، والعقوبات الاقتصادية، وأذرع التخريب الإقليميّة، كلها، حول إشكاليّة مركزية واحدة: تعطيل أي تطور عسكريّ أو استراتيجيّ قد يهدّد بقاء النظام، وسياسته الإمبراطورية. فالمسألة ليست حلّ النزاعات، بل احتواء التهديدات الّتي تمسّ سلطته المُطلقة إقليميًّا ودوليًّا.
يرفض النظام الإيرانيّ، بأيّ حال من الأحوال، إعادة النظر في سياسته الإمبراطورية ومرتكزاتها الإيديولوجية، وفي مُكتسبات استراتيجية التخريب الّتي بناها بصبر على مدى عقدَيْن. كما أنّ مسألة نزع السلاح النوويّ، أو الصاروخيّ، أو الجرثوميّ، ليست مطروحةً أصلًا على جدول الأعمال. تدور مسارات التفاوض أساسًا حول مستويات تخصيب اليورانيوم، وتثبيت سياسة إمبراطورية تتنكّر لذاتها، وإضفاء الشرعيّة على تدخّلها الإقليميّ، والتحكّم في الممرّات البحرية الدولية. وتتحوّل هذه العناصر إلى دعامات لسياسة إمبراطورية تُعيد إنتاج نفسها باستمرار.
يسعى النظام إلى فرض نفسه بالاستناد إلى ثلاثيّة من التعسّف. فهو يعتمد على شرعيّته القدسية في داخل إيران من جهة، وعلى سياسة التمدّد الإقليميّ من جهة أخرى، كما يستند أيضًا إلى تصوّرات حول نظام بديل عابر للحدود ونيو-شموليّ في حالة تحوّل دائم. غير أنّ أركان القوة الثلاثة هذه ليست موضع جدل فحسب، بل تتآكل أيضًا جزئيًّا، وتخضع لعملية تفكّك بطيئة. كما أنّ شرعية السردية الثورية باتت أثرًا من الماضي، لا علاقة له بواقع البلاد الفعليّ. إذ لم يعد في إرث هذا النظام سوى ركود اقتصاديّ، وكوارث بيئية، وفقر واسع النطاق، وبطالة، وتفشّي أمراض اجتماعية، وقمع وحشيّ.
وانطلاقًا من هذا المسار المتدرّج في نزع الشرعية، ينبغي مقاربة الرهانات الجيوستراتيجية وانعكاساتها على مستقبل النظام. إذ يسعى الهجوم المضاد الّذي يشنّه إلى إعادة ضبط الاختلالات البنيوية الناتجة عن تدمير “المنصّات العملياتية المدمجة” الّتي شكّلت قاعدةً لاستراتيجية التخريب الإقليميّ. ولم يعد أمامه سوى اللجوء إلى الإرهاب، والحروب الأهلية، وسياسة الأرض المحروقة. وفي هذا السياق، تندرج أيضًا استراتيجية إدارة التصعيد، لا بوصفها خيارًا دبلوماسيًّا، بل آلية لاحتواء الانكشاف. غير أنّ النظام الإيرانيّ لا يرى مصلحةً حقيقيةً في سياسات خفض التصعيد. ومن هذا المنظور، ينظر إلى ملف مضيق هرمز كأداة لتعزيز حضوره الدوليّ، وفي الوقت عينه لتعطيل الاستقرار في مسارح عمليات مترابطة عابرة للقارات.
يشكّل السياق اللبنانيّ خلاصةً مكثّفةً لسياسات الإغلاق الّتي يعتمدها النظام الإيرانيّ. إذ يسعى بكل الوسائل إلى استعادة ورقة التفاوض اللبنانية وإدراجها ضمن أجندته الشاملة. وقد تواصلت إعادة تفعيل الجبهة اللبنانية عبر مسارات متعدّدة، من تجدّد الاشتباك مع إسرائيل إلى تقويض السلم الأهليّ. في المقابل، نجحت الدبلوماسية الأميركية في فصل المسارات الدبلوماسية عن بعضها، ومنع إدراج الملف اللبنانيّ ضمن الإطار الإيرانيّ العام، مع الدفع نحو استعادة قدر من استقلال لبنان السياسيّ والاستراتيجيّ، فيما يواصل حزب الله سياسة تحويل البلد إلى ساحة نفوذ ضمن منظومة التخريب الإقليميّ.
ويُظهر المثال اللبنانيّ بوضوح ترابط استراتيجيّات التخريب الّتي يعتمدها النظام الإيرانيّ، وانعكاساتها على مسارات الدبلوماسية الجارية وتعقيداتها البنيوية. ولا يبدو من المجدي منحه أي استثناء أو وضعية فوق-سيادية، أو التعامل معه على هذا الأساس، لا سيّما بعد الانتكاسات الاستراتيجيّة الّتي تكبّدها منذ السابع من تشرين الأول 2023. وعلى عكس القراءات الّتي ترى في استمراره ضمانة لاستقراره، تشير الوقائع إلى أنّ أي مسار نحو السلام يبقى مرهونًا بإعادة توازن يحدّ من قدرته على إعادة إنتاج أدواته. كما أنّ دبلوماسية إنهاء النزاعات لا تكتمل من دون معالجة بنية الصراع بحدّ ذاتها.
مواضيع ذات صلة :
تحذيرٌ “سريّ” من أميركا لإيران | وباء جديد.. تهديد يترقبه العالم يعادل “السلاح النووي” | نتنياهو: لن نسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي |




