جنوب لبنان بين الاتفاق الإيراني-الأميركي والتفاوض مع إسرائيل

كتب Marc-Jérémie Boulosلـ”Ici Beyrouth”:
في وقت تتجه فيه الأنظار إلى اتفاق يتبلور بين واشنطن وطهران، وإلى الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية المقررة في الثاني والعشرين من حزيران في واشنطن، تثير التطورات العسكرية في جنوب لبنان تساؤلات أمنية متزايدة. فقد وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق عملياته إلى ما وراء ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، في ظل استمرار نشاط حزب الله على طول الحدود.
“الخط الأصفر”… منطقة أمنية في طور التحوّل
دخل مصطلح “الخط الأصفر” إلى القاموس العسكريّ الإسرائيليّ في ربيع عام 2026؛ ويشير المصطلح إلى منطقة عازلة في جنوب لبنان تهدف، وفق الرؤية الاسرائيلية، إلى منع أي تهديد مباشر يطال البلدات في الجليل. وتمتد هذه المنطقة شمال الحدود لتشمل عشرات القرى الحدودية، في إطار مسعى للحد من قدرات حزب الله العسكرية بالقرب من الشريط الحدوديّ.
إلّا أنّ العمليات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على هذه المنطقة، إذ سُجّلت تحركات عسكرية إلى ما بعدها في بعض النقاط الاستراتيجية جنوب لبنان، لا سيّما في محيط المرتفعات المشرفة على النبطية.
وبحسب مصدر عسكريّ فضّل عدم الكشف عن هويته، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth، قد يمتد نطاق الانتشار الإسرائيلي اليوم كيلومترات متعددة في داخل الأراضي اللبنانية، مستهدفًا مواقع مرتفعة طالما اعتُبرت منصات ملائمة لإطلاق الصواريخ.
ويضيف المصدر إنّ بعض منظومات الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، مثل “كورنيت”، لم تعد قادرة على إصابة أهدافها من هذه المواقع، فيما تقتصر التهديدات المتبقية على صواريخ يمكن أن تعترضها منظومة القبة الحديدية.
اتفاق واشنطن-طهران وانعكاساته
بحسب تقارير إعلامية دولية، تحدث مسؤولون إيرانيون وباكستانيون مشاركون في جهود الوساطة عن اتفاق مبدئيّ بين واشنطن وطهران، يهدف إلى وقف العمليات العسكرية في المنطقة، بما يشمل الجبهة اللبنانية.
غير أنّ إسرائيل تنظر إلى تجارب الاتفاقات السابقة ووقف إطلاق النار في المنطقة بعين الشك، باعتبار أنّها لم تؤمن ضمانات عملية تمنع إعادة بناء قدرات حزب الله العسكرية، لا سيّما أنّ الحزب واصل إطلاق الصواريخ في خلال فترات التهدئة، ما استدعى ردًّا من الجيش الاسرائيليّ.
وفي هذا السياق، أكد المصدر العسكريّ عينه لموقع Ici Beyrouth بأنّ الملف اللبنانيّ سيبقى مسارًا مستقلًّا ضمن المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية، مشيرًا إلى أنّ هذه المفاوضات تتقدم وفق جدولها الزمنيّ الخاص، بمعزل عن مسار التفاهم الأميركيّ-الإيرانيّ.
وفي موازاة ذلك، تبدي إسرائيل، غير المشاركة مباشرة في المحادثات بين واشنطن وطهران، تشككًا عميقًا في جدوى الاتفاق المرتقب. ويعتبر مسؤولون إسرائيليون أنّ أمن الدولة لا يمكن أن يستند إلى تفاهمات دبلوماسية تفتقر إلى ضمانات ميدانية واضحة على الساحة اللبنانية، في ظل استمرار ما تعتبره تهديدًا قائمًا من جانب حزب الله.
استحقاق 22 حزيران في قلب التوترات
تنطلق في واشنطن في الثاني والعشرين من شهر حزيران جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية، وسط مناخ إقليميّ بالغ الحساسية. وتمتد المحادثات على ثلاثة أيام، تتناول الملفات السياسية والعسكرية في يومها الأول، والقضايا الأمنية في الثاني، على أن يُخصص اليوم الثالث للترتيبات الدبلوماسية، وآليات تثبيت وقف إطلاق النار.
ويتمسك لبنان بمطلب وقف العمليات العسكرية الاسرائيلية بشكل كامل، تمهيدًا لانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق الّتي لا تزال تسيطر عليها، وعودة السكان النازحين إلى قراهم. في المقابل، تشدد إسرائيل على ضرورة نزع سلاح حزب الله بصورة فعلية، وتأمين ضمانات أمنية مستدامة على طول حدودها الشمالية.
وفي موازاة ذلك، تتواصل الجهود الدبلوماسية الإقليمية الرامية إلى بلورة ترتيبات خاصة بمرحلة ما بعد النزاع، تشمل تعزيز انتشار الجيش اللبنانيّ في الجنوب، واستحداث آليات رقابة تمنع تجدد المواجهات.
وباتت التطورات الميدانية في جنوب لبنان، إلى جانب احتمال التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، تشكلان عامليْن أساسييْن في رسم ملامح المرحلة المقبلة على المستوى الاقليميّ. أمّا من المنظور الإسرائيلي، فيبقى الهدف الأبرز منع قيام أي تهديد عسكريّ مستدام في المحيط المباشر للحدود الشمالية.
وبحسب المصدر العسكريّ الّذي تحدث إلى موقع Ici Beyrouth، الموقف الإسرائيلي في المفاوضات المرتقبة واضح وحاسم: لا انسحاب من المواقع الحالية قبل نزع سلاح حزب الله. ويضيف المصدر بأنّ إسرائيل ستطالب الدولة اللبنانية بتولي مسؤولية تنفيذ عملية نزع السلاح ميدانيًّا، وبصورة فعلية، في خارج نطاق المنطقة العازلة، معتبرة أنّ “الإسرائيليين قاموا بالمهمة الّتي كان يُفترض بالدولة القيام بها من خلال تنظيف المنطقة العازلة”. والغاية من ذلك، وفق المصدر عينه، نقل المسؤولية الأمنية إلى المؤسسات اللبنانية، باعتبارها شرطًا أساسيًّا لأي انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ من جنوب لبنان.
في ضوء ذلك، تبدو مفاوضات الثاني والعشرين من حزيران محطة مفصلية، واختبارًا حقيقيًّا للدولة اللبنانية الّتي تجد نفسها أمام استحقاق إثبات قدرتها على بسط سلطتها الكاملة، وترسيخ سيادتها على كامل أراضيها.
مواضيع ذات صلة :
إيران وإسرائيل: من المواجهة العسكرية إلى صراع النفوذ الإقليميّ؟ | في تطور جديد.. أميركا تسمح بدخول منتخب إيران قبل يومين من مباراته المقبلة | ترامب: إذا أرادت إيران المتاعب فلتسعَ للسلاح النووي |




