“القرض الحسن” أمام القضاء: هل ستُفضي التحقيقات إلى نتائج؟

ترجمة هنا لبنان 18 حزيران, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

تُعيد العدالة اللبنانية فتح ملف “القرض الحسن” (AQAH)، المؤسّسة المالية التابعة لحزب الله. وأُحيل الملف يوم الاثنين إلى المدعي العام التمييزي رامي الحاج، بعد أن تسلّمه من وزير العدل عادل نصار.

لا يُعتبر القرض الحسن مجرّد جمعية إقراض، بل يشكّل منذ سنوات عمودًا من أعمدة المنظومة المالية التي طوّرها حزب الله خارج النظام المصرفي التقليدي.

ومنذ إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (GAFI) في تشرين الأول 2024، يخضع البلد لرقابة مُشدّدة في ما يتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وفي المقابل، تتزايد الضغوط على السلطات اللبنانية لإخضاع جميع الأنشطة المالية العاملة على أراضيه، ولا سيما تلك المرتبطة بحزب الله، لآليات رقابة الدولة.

النيابة العامة تتحرّك… وعلى أي أساس؟

يوضح المحامي مارك حبقة، في حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”، أن “وزير العدل لا يملك صلاحية إصدار تعليمات مباشرة إلى قضاة النيابة العامة في القانون اللبناني، لكنّه يستطيع إحالة معلومات أو إخبارات إلى المدعي العام التمييزي عندما يرى أن الوقائع قد تشكّل جرائم جزائية”. ويُضيف أنّ أساس هذه الخطوة القانوني يكمن في دور الوزير المؤسّساتي، وفي أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية المتعلقة بتحريك الدعوى العامة.

ويُشير حبقة إلى أن إحالة وزير العدل ملفات إلى النيابة العامة ليست استثنائيةً في القانون اللبناني، غير أنّ ملف القرض الحسن يتميّز بحساسيته. ويقول: “بالإضافة إلى الجوانب القانونية البحتة، يُلامس مسائل مالية وأمنية وسياسية حسّاسة للغاية، ما يجعله ملفًا مختلفًا في المشهد القضائي اللبناني”.

جمعية أم مصرف بحكم الأمر الواقع؟

منذ تأسيسه، لا يقتصر الجدل حول القرض الحسن على طبيعة أنشطته، بل يتمحور أساسًا حول تصنيفه القانوني. فالمؤسّسة التي أُنشئت عام 1983 تقدّم نفسها كجمعية تمنح قروضًا بلا فوائد، وفق مبادئ التمويل الإسلامي. وقد تعاظم دورها بشكل ملحوظ بعد انهيار النظام المصرفي اللبناني عام 2019، إذ كثّفت، مع استحالة وصول المودعين إلى أموالهم، منح قروض مضمونة بالمجوهرات أو الممتلكات، ووسّعت شبكة فروعها لتتجاوز الثلاثين بين بيروت وضاحيتها الجنوبية وجنوب لبنان والبقاع.

وعن السؤال المتعلّق بكيفيّة التمييز بين جمعية خيرية ومؤسّسة تمارس نشاطًا مصرفيًا أو ماليًا، يوضح حبقة أنّ “التكييف القانوني لا يرتبط بالتسمية المعتمدة، بل بطبيعة النشاط الفعلي المُمارَس”. ويُضيف: “إذا مارست جهة ما بشكل منتظم أنشطةً محصورةً بالمصارف أو المؤسّسات المالية المرخّصة، يمكن إعادة تصنيفها قانونيًا، بغضّ النظر عن صفتها الجمعية”. وعليه، تبقى مسألة الترخيص الممنوح للقرض الحسن محوريةً، إذ يتعين أن يحدّد التحقيق ما إذا كانت الأنشطة القائمة تندرج ضمن الإطار المسموح به أو تتجاوزه.

ويُشار في هذا السياق إلى أن خصوم القرض الحسن يؤكّدون منذ سنوات أنّ المؤسسة تمارس أنشطةً مصرفيةً من دون التراخيص اللازمة. ففي نيسان 2021، قدّم المحاميان مجد حرب وإيلي كيرلس شكاوى ضدّ المؤسسة، أُعيد تفعيلها في أواخر 2024. وفي آذار 2023، تقدّم نواب القوات اللبنانية سعيد الأسمر وأنطوان حبشي وفادي كرم بإخبار أمام النيابة العامة التمييزية، اتّهموا فيه المؤسّسة بممارسة أعمال مصرفية تحت غطاء صفة جمعية، مُشيرين إلى فتح فروع متعدّدة وتركيب أجهزة صراف آلي في مناطق مختلفة من البلاد.

وبناءً عليه، وبعيدًا من مسألة الترخيص الممنوح للقرض الحسن، ما العناصر الأخرى التي يتعيّن على المحقّقين دراستها؟

بحسب حبقة، ستكون نقاط متعدّدة موضع تدقيق، من بينها تلقّي الأموال من العموم، ومنح القروض، ووجود آليّات تشبه الودائع، وعمليات تحويل الأموال، وإدارة الأصول لحساب الغير، بالإضافة إلى الطابع المنتظم والمهني لهذه الأنشطة.

تحقيق متعدّد المستويات

يزداد الملف تعقيدًا لأنه يطال، في الوقت عينه، مجالات اختصاص مختلفة.

وبحسب المعطيات القضائيّة المتوافرة، قد يشمل أحد جوانب التحقيق وزارة الداخلية لجهة التحقّق من الوضع الإداري للجمعية، فيما قد تتولّى الأجهزة الأمنية أو السلطات المالية المختصّة جوانب أخرى منه. ولا يُعتبر تعدّد الجهات المعنية في ملفات مماثلة أمرًا استثنائيًا.

يوضح حبقة: “تقع هذه القضية عند تقاطع اختصاصات إدارية وتنظيمية متعدّدة. فمصرف لبنان يختصّ بالرقابة على القطاع المصرفي والمالي، وتطبيق قانون النقد والتسليف، بينما تتولّى لجنة التحقيق الخاصّة (SIC) قضايا تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”.

ويُضيف أنّ وزارة الداخلية تحتفظ بدورٍ يتعلق بتنظيم الجمعيات والتراخيص الإدارية، في حين يمكن أن يتدخّل الأمن العام عند وجود تحويلات مالية دولية أو اعتبارات أمن قومي. أما السلطة القضائية، فهي الجهة الوحيدة المخوّلة بتقدير وجود الجرائم واتخاذ الإجراءات الجزائية.

وتكتسب هذه الأبعاد المالية حساسيّة إضافية بعدما اتخذ مصرف لبنان خطوة متقدمة في تموز 2025، إذ أصدر تعميمًا يمنع المصارف والمؤسسات المالية المرخّصة من إقامة أي علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع القرض الحسن وبعض الجهات غير المرخّصة، مبررًا ذلك بحماية القطاع المالي اللبناني والالتزام بالمعايير الدولية ومتطلبات مجموعة العمل المالي.

مخالفات مالية محتملة

في هذه المرحلة، لم يُحسم أي تكييف جزائي. ووفق حبقة، يبقى عدد من الفرضيّات المطروحة، “رهنًا بنتائج التحقيق”. وقد يشمل المسار التحقيقي احتمال ممارسة أنشطة مصرفية أو مالية بطريقة غير مشروعة، أو مخالفة أحكام قانون النقد والتسليف، ولا سيما ما يتعلّق بترخيص المؤسّسات المالية ورقابتها، أو حتى مخالفات تندرج ضمن القانون رقم 44/2015 المتعلّق بمكافحة تبييض الأموال.

كما قد تُطرح مسألة تمويل الإرهاب، غير أن المحامي يذكّر بأنّ هذا التكييف “يفترض وجود عناصر إثبات دقيقة، ولا يمكن افتراضه”.

وتتفاوت العقوبات المحتملة بحسب التكييف القانوني المعتمد، إذ يمكن أن تتدرّج، كما يشير الخبير القانوني، من غرامات إدارية قد تصل إلى إقفال المؤسسة، وصولًا إلى ملاحقات جزائية بحق المسؤولين في حال ثبوت مخالفات محدّدة.

ما هو المسار الطبيعي لهذا النوع من الإجراءات؟

يوضح حبقة أن المسار الإجرائي المعتاد في مثل هذه الملفات يبدأ بتحقيق أولي يشمل الاستماع إلى الإفادات، وجمع المستندات، وإجراء خبرات مالية متخصّصة، والتحقّق من التراخيص الإدارية، قبل اتخاذ قرار بالحفظ أو الإحالة إلى الملاحقة. ويبدو أن الخبرة المالية المعمّقة تشكّل محطةً أساسيةً لا غنى عنها.

أما ما يتعلق باختصاص النيابة المالية، الذي يُثار كثيرًا في هذا النوع من القضايا، فيقدّم المحامي توضيحًا مهمًا: “يتعيّن التذكير بأنّ اختصاص النيابة المالية لا يتحدّد بهوية الجهة المعنية، بل بطبيعة الجرائم المشتبه بها”.

ويبقى بُعد الملف السياسي.

“بشكل موضوعي، نعم”، يُجيب حبقة عند سؤاله عن احتمال تحوّل الملف إلى ساحة تجاذب سياسي، إذ يبرز أيضًا، خلف مسألة التراخيص والتحويلات المالية وأجهزة الصرّاف الآلي، سؤال أوسع يتعلّق بموقع حزب الله في الاقتصاد اللبناني.

وبحسب الأخير، ستتوقف مصداقيّة المسار القضائي على مدى التزامه الصارم بالمعايير القانونية، ولا سيما قرينة البراءة، واحترام حقوق الدفاع، وتسبيب القرارات، والاستعانة بخبرات مستقلّة، وغياب أي ضغوط سياسية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us