بعد اليونيفيل: ماذا يتبقى من القرار 1701؟

ترجمة هنا لبنان 20 حزيران, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

في ظلّ احتمال انسحاب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) مع انتهاء ولايتها في الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول 2026، يبرز سؤال قانونيّ أساسيّ: ماذا يبقى من القرار 1701 إذا غابت الجهة المكلّفة بتنفيذه؟

قد يبدو الجواب بديهيًّا للوهلة الأولى. فالقرار 1701 حدّد مهام اليونيفيل الحالية، وبالتالي، يؤدي انتهاء هذه القوة إلى انتهاء مفعول القرار. غير أنّ هذا الاستنتاج لا يتوافق مع منطق القانون الدوليّ.

لا يشكل القرار 1701 واليونيفيل كيانًا واحدًا. فالقرار هو نصّ صدر عن مجلس الأمن الدوليّ في الحادي عشر من شهر آب 2006 لإنهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله ووضع إطار لوقف الأعمال العدائية، في حين أنّ اليونيفيل هي آلية تنفيذية أُنشئت للمساعدة في تطبيق بعض أحكامه. وعليه، لا يعني انتهاء الآلية، تلقائيًّا، زوال القاعدة القانونية الّتي تستند إليها.

قرار يبقى نافذًا بعد انتهاء المهمة

من منظور قانونيّ بحت، يوضح خبير في القانون الدوليّ طلب عدم الكشف عن هويته، لموقع Ici Beyrouth إنّ “قرارات مجلس الأمن لا تنتهي بانتهاء ولاية أي عملية من عمليات حفظ السلام”.

ويضيف إنّ “القرار 1701 لا يتضمن أي نصّ يحدّد مدة سريانه أو ينص على انتهائه تلقائيًّا”، ما يعني أنّه يظل قائمًا إلى أن يقرّر مجلس الأمن صراحة إلغاءه، أو استبداله بقرار جديد، أو إعلان تحقيق أهدافه بالكامل.

ويذكّر بأنّ مجلس الأمن “أعاد تأكيد جميع قراراته السابقة بشأن لبنان، في خلال التجديد الأخير لولاية اليونيفيل في آب 2025، كما وشدّد على الالتزام بتنفيذ أحكام القرار 1701 بشكل كامل”. وبذلك، ورغم التحضير لإنهاء مهمة القوة، جرى تثبيت القرار باعتباره المرجعية القانونية الأساسية في الملف اللبناني-الإسرائيلي.

وعليه، تبقى الالتزامات الجوهرية الواردة في القرار قائمة حتى بعد انسحاب اليونيفيل: احترام الخط الأزرق، ووقف الأعمال العدائية، ومنع أي وجود مسلح في خارج إطار الدولة اللبنانية جنوب الليطاني، وضبط نقل الأسلحة، ودعم بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها. لكنّ الإشكال يبقى مفتوحًا: من يتولّى ضمان التنفيذ والمساءلة في غياب القوة الدولية؟

قرار بلا ذراع تنفيذية

لا يتعلّق السؤال الحقيقيّ، إذًا، باستمرارية القرار 1701 القانونية، بقدر ما يتعلق بقدرة هذا القرار على التطبيق الفعليّ.

فمنذ عام 2006، تؤدي اليونيفيل دورًا محوريًّا في المراقبة، والوساطة، واحتواء التصعيد بين لبنان وإسرائيل. وهي توثّق الانتهاكات، وتسهّل قنوات التواصل بين الطرفيْن، وتواكب انتشار الجيش اللبنانيّ في الجنوب. وبالتالي، سيترك انسحابها فراغًا عملياتيًّا كبيرًا.

وفي هذا السياق، يوضح القائد السابق للبعثة العسكرية الفرنسية لدى الأمم المتحدة، الجنرال دومينيك ترينكان، بأنّ “انتهاء ولاية اليونيفيل في الواحد والثلاثين من شهر كانون الأول 2026 لا يعني مغادرة الوحدات الأممية بشكل فوريّ”، مشيرًا إلى أنّ “العملية ستدخل مرحلة تفكيك تدريجية تمتد في خلال العام 2027”. ويضيف بأنّه “اعتبارًا من ذلك التاريخ، لن تملك القوة التفويض التنفيذيّ الّذي يشكّل أساس عملها الميدانيّ حاليًّا”.

من يتولّى هذا الدور بعد ذلك؟

هذه هي تحديدًا الإشكالية الّتي تشكل حاليًّا محور النقاشات في داخل الأمم المتحدة. إذ تُطرح سيناريوهات متعددة لما بعد اليونيفيل، تتراوح بين تعزيز محدود لحضور الأمم المتحدة السياسيّ في لبنان، وبين إنشاء آلية مراقبة أخفّ وأكثر مرونة. وقد قدّم الأمين العام أنطونيو غوتيريش مجموعة من المقترحات لضمان استمرار شكل من أشكال الحضور الدوليّ بعد انتهاء الولاية الحالية.

وفي رسالة مؤرخة في الأول من حزيران 2026، اطّلع عليها موقع Ici Beyrouth، شدّد غوتيريش على ضرورة استمرار تنفيذ القرار 1701 بشكل كامل، حتى بعد انسحاب اليونيفيل. وتُطرح في هذا الإطار ثلاثة خيارات لمستقبل ما بعد الولاية، وفق ما ينص عليه القرار 2790 (2025) الصادر عن مجلس الأمن، الّذي كُلّف بموجبه الأمين العام باستكشاف سيناريوهات تطبيق القرار 1701 بعد انتهاء مهمة البعثة الأممية. وترتكز هذه الخيارات على ثلاث وظائف أساسية: دعم المسار السياسيّ نحو وقف إطلاق نار دائم، ومراقبة الخط الأزرق بشكل محايد، والتنسيق بين الأطراف، إلى جانب دعم معزّز للجيش اللبنانيّ بهدف توسيع سلطة الدولة.

وبالتفصيل، ولتفادي الفراغ الّذي سيتركه انسحاب اليونيفيل، يقترح الأمين العام ما يلي: تتيح قوة قوية، تجمع بين مراقبين ووحدات مسلّحة، مراقبة الخط الأزرق بشكل شبه كامل، وتؤمن دعمًا عملياتيًّا واسعًا للجيش اللبنانيّ (الخيار الأول)؛ أو حضورًا متوسطًا يتمركز بين الليطاني والخط الأزرق، مع قدرات تحقق وتنسيق محدودة (الخيار الثاني)؛ أو حضورًا محدودًا يقتصر على مراقبين مع دعم مسلّح خفيف، يؤمن متابعة جزئية تعتمد أساسًا على أدوات تكنولوجية لرصد الوضع في المنطقة (الخيار الثالث).

وفي جميع الحالات، ستحتفظ الأمم المتحدة بدور المتابعة، والربط، والدعم السياسيّ، عبر آلية معزّزة لمكتب المنسّق الخاص في لبنان. غير أنّ هذه الخيارات، رغم طرحها للنقاش، لا تُلزم مجلس الأمن باعتماد أي منها، إذ يمكنه الاكتفاء بالقرار الأخير الصادر في آب 2025، أي تمديد ولاية اليونيفيل لمرة أخيرة حتى الحادي والثلاثين من كانون الأول 2026، من دون إقرار أي آلية بديلة، مع اعتبار أنّ مهمة القوة قد انتهت، كما يوضح المتحدث باسم اليونيفيل الناطق بالعربية داني غفاري لموقع Ici Beyrouth”.

وفي هذا السياق، وبعيدًا عن مقترحات الأمين العام، “تجري أيضًا نقاشات موازية بين فرنسا، والولايات المتحدة، ولبنان، لتحديد ما سيأتي بعد ذلك”، بحسب ترينكان. ويرى أنّ هدف المجتمع الدوليّ، في حال انتهاء اليونيفيل، لن يتغير: تعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وتمكين الجيش اللبنانيّ من احتكار استخدام القوة على كامل الأراضي. وفي هذا الإطار، تعتبر فرنسا، وفقًا له، أنّ الأولوية تقوم على تعزيز قدرات الجيش اللبنانيّ عبر دعم ماليّ أكبر، وتزويده بالمعدات، وبرامج التدريب، مع السعي إلى إشراك واشنطن في هذا الجهد.

نحو اعتماد قرار جديد؟

في هذا السياق، لا يستبعد ترينكان احتمال اعتماد مجلس الأمن نصًّا جديدًا. فبحسب الأخير، يمكن أن يُصاغ قرار مستقبليّ ضمن الإطار الأوسع للنقاشات بين الولايات المتحدة وإيران، يعيد التأكيد على مبدأ حصر امتلاك السلاح واستخدام القوة المسلحة بالجيش اللبنانيّ وحده على كامل الأراضي اللبنانية. ومن شأن هذا السيناريو أن يكرّس عمليًّا هدف نزع سلاح حزب الله.

في المقابل، وعند سؤاله عن احتمال إنشاء قوة دولية جديدة تحلّ محل اليونيفيل، يُبدي ترينكان تشككًا واضحًا، معتبرًا أنّ “تشكيل قوة متعددة الجنسيات في خارج إطار الأمم المتحدة يبقى شديد الصعوبة”، مشيرًا إلى غياب نموذج مماثل في غزة رغم الطروحات المتكررة في هذا الاتجاه.

أمّا في ما يتعلق ببعثة أممية جديدة، فيرى أنّ هذا الخيار يبقى ضعيف الاحتمال، في ظل تردد الولايات المتحدة في تمويل عمليات حفظ سلام جديدة. وعليه، يرجّح أن تنتقل مسؤولية ضبط الوضع ميدانيًّا إلى الجيش اللبنانيّ، مع دعم الشركاء الدوليين السياسيّ، والماليّ، واللوجستيّ، وفي مقدمتهم فرنسا.

في المحصلة، لا يعني انتهاء مهمة اليونيفيل، بالضرورة، انتهاء القرار 1701، إذ سيظل هذا القرار قائمًا حتى بعد انتهاء ولاية قوات حفظ السلام.

لكنّ ذلك يفتح مرحلة جديدة في مساره: مرحلة يبقى فيها الإطار القانونيّ ساريًا، من دون الأداة الّتي جسّدت على الأرض الوجود الأمميّ بين الليطاني والحدود اللبنانية-الاسرائيلية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us