لبنان يعزّز حضوره على الخريطة الإقليمية في الجراحة الروبوتية

ترجمة هنا لبنان 22 حزيران, 2026

كتب Makram Haddad لـ”Ici Beyrouth“:

في مستشفى المشرق الفرنسي، نظّم المعهد العالمي للتدريب على الجراحة المتقدمة بالمنظار والجراحة الروبوتية (Ircad – لبنان) دورةً جديدةً في الجراحة الروبوتية للكبد والقنوات الصفراوية والبنكرياس، شملت عمليات معقّدة على الكبد والبنكرياس أُجريت وبُثّت مباشرة من غرفة العمليات. ويؤكد هذا التقدّم ترسّخ موقع لبنان في مجال الجراحة الروبوتية، مع تسجيل إنجازات محلية وإقليمية غير مسبوقة، وطموح واضح إلى ترسيخ بيروت منصةً رائدةً للتدريب الجراحي المتقدّم في الشرق الأوسط.

في غرفة عمليات جراحيّة في بيروت، لم تعد الجراحة الروبوتية مجرّد استعراض تكنولوجي، بل أصبحت أداة علاج وتدريب ونقل معرفة. قبل أيام، نظم معهد “Ircad لبنان”، في مستشفى المشرق الفرنسي، النسخة الثالثة من دورة الجراحة الروبوتية للكبد والقنوات الصفراوية والبنكرياس، بمشاركة الدكتور أحمد أبو عباس، مدير الجراحة الهضمية الروبوتية في سيتي أوف هوب (City of Hope) في كاليفورنيا، والدكتور علي شكر، مدير برنامج الجراحة الكبدية الصفراوية البنكرياسية في Ircad لبنان.

تميّزت الدورة بإجراء تدخّلات جراحية معقدة بمساعدة الروبوت، خصوصًا على الكبد والبنكرياس، نُقلت مباشرة من غرفة العمليات. ولم يكن الهدف بالنسبة إلى المشاركين مجرّد مشاهدة عملية ناجحة، بل متابعة تفاصيل الإجراء لحظة بلحظة، من المعالم التشريحية إلى الخيارات التقنية والقرارات السريرية أثناء حدوثها، بما يجعل من غرفة العمليات فضاءً تعليميًّا حيًّا.

الكبد والبنكرياس: مناطق عالية الدقّة

تُعدّ الجراحة الكبدية الصفراوية البنكرياسية من أعقد التخصّصات الجراحية، نظرًا إلى عمق تموضع الكبد والبنكرياس، وكثافة ترويتهما الدموية، وقربهما من بنى حيوية دقيقة. ولسنوات طويلة، تطلبت هذه العمليات شقوقًا جراحيةً واسعةً، مع مضاعفات محتملة وفترات تعافٍ امتدت أحيانًا لأسابيع.

لا تجعل الجراحة الروبوتية هذه العمليات بسيطة، ولا تستبدل الجرّاح، لكنّها تعيد تشكيل شروط الممارسة الجراحية عبر تأمين رؤية ثلاثية الأبعاد، وأدوات دقيقة ومفصلية، وثبات أعلى في الأداء داخل فضاءات تشريحية ضيّقة. وفي الحالات المختارة بعناية، يهدف هذا التطوّر إلى تقليل الرضّ الجراحي، والحدّ من المضاعفات، وتسريع التعافي، وتحسين النتائج السريرية.

وبالنسبة إلى مرضى الأورام الهضمية المعقّدة، ولا سيما سرطان البنكرياس، يكتسب هذا التطوّر أهمية خاصة. فعندما تكون الجراحة ممكنة، يُساهم النهج الأقل توغّلًا في تسريع استعادة الاستقلالية، وأحيانًا في تمكين العودة المبكّرة إلى العلاجات المكمّلة. وهنا تتجاوز الروبوتات كونها تقنية لتصبح جزءًا من مسار علاجي متكامل.

رهان “Ircad لبنان”

تندرج هذه الدينامية ضمن مشروع أوسع. فقد أسّس البروفسور جاك ماريشاو مركز Ircad في ستراسبورغ عام 1994، وأصبح مرجعًا عالميًّا في الجراحة طفيفة التوغّل والجراحة الروبوتية والتكوين الجراحي المتقدم. أمّا امتداده إلى لبنان فيستند إلى رؤية حملها الدكتور أنطوان معلوف، مفادها أنّ بيروت قادرة على استعادة دورها مركزًا إقليميًّا للتكوين الطبّي على الرغم من الأزمات.

وكان معلوف قد أكد أن اختيار لبنان لم يكن قائمًا على الإمكانات المالية، بل على “فعّالية النظام الطبي اللبناني”، مشيرًا إلى أنّ ماريشاو فضّل “بساطة النظام الطبي اللبناني وفعاليته على الأموال القادمة من دول الخليج”. وتُبرز هذه المقاربة طبيعة تموضع Ircad لبنان: ليس مشروعًا استعراضيًّا، بل اعترافًا برأسمال طبي محلي قائم.

وفي عام 2025، سجّل المركز محطةً مفصليّةً مع إطلاق أول دورة روبوتية في جراحة الكبد والبنكرياس في لبنان. ووصفها معلوف حينها بأنّها “قفزة نوعية في الممارسة الجراحية الإقليمية”، معلنًا عن أولى العمليات الروبوتية للكبد والبنكرياس في لبنان والشرق الأوسط. وتؤكد هذه النسخة الجديدة انتقالًا من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الترسيم، حيث لم تعد الجراحة الروبوتية مجرّد تقنية، بل منظومة تدريبية متكاملة.

استقدام الخبرة إلى لبنان

يمنح حضور الدكتور أحمد أبو عباس، الآتي من الولايات المتحدة لإجراء عمليات جراحية والإشراف على البرنامج العلمي، هذه النسخة بُعدًا خاصًّا. وبحسب الدكتور معلوف، يعكس ذلك نجاح Ircad لبنان في استقطاب الخبرات والتقنيات من كبرى المراكز الدولية إلى بيروت. “لم نعد نكتفي بإرسال أطبائنا إلى الخارج للتعلّم، بل أصبحنا نستقطب العالم إلى لبنان”، يقول في الأساس، مشيرًا إلى أنّ المريض اللبناني يستحق الرعاية والتقنيات المتوافرة في المراكز العالمية الكبرى.

من جهته، شدّد الدكتور أبو عباس على المستوى الذي بلغه Ircad لبنان ومستشفى المشرق الفرنسي، معتبرًا أن ما يُبنى في بيروت يقترب من المعايير المعتمدة في المراكز الطبية المتقدمة. ووفقًا له، أعادت الجراحة الروبوتية صياغة مقاربة العمليات المعقّدة على الكبد والبنكرياس، عبر تأمين دقّة أعلى، ونتائج سريرية أفضل، وتعافٍ أسرع عندما تكون الاستطبابات محددة بدقة.

التدريب وليس الاستيراد فحسب

تكمن هنا بالذات النقطة الأساسية. ففي الجراحة الروبوتية، لا يكفي امتلاك الجهاز، بل يتعيّن تدريب الفرق، واختيار المرضى، وضبط المؤشرات، وتنظيم غرفة العمليات، وتوقّع المضاعفات، وتقييم النتائج. إنّها ممارسة عالية الدقّة، تقوم على مهارة الجرّاح بقدر ما تقوم على كفاءة الفريق المحيط به.

من هنا، يكتسب دور Ircad لبنان بُعدًا استراتيجيًّا. فالدكتور علي شكر، المسؤول عن البرنامج الكبدي الصفراوي البنكرياسي، يُجسّد هذا المنطق القائم على نقل المعرفة: تدريب جرّاحين على تقنيات معقّدة ضمن إطار منظم، وبالتفاعل مع خبرات دولية، مع تطبيق مباشر داخل غرفة العمليات.

تقدّم يجب ضبطه

مع ذلك، يبقى هذا التطوّر ضمن إطاره الطبّي الصارم. فالجراحة الروبوتية مكلفة، وتتطلّب بنية تحتية متقدمة، ولا تناسب جميع المرضى. لذلك، يتعيّن أن تبقى خيارًا يُناقش حالةً بحالةٍ، وفق طبيعة المرض، وحالة المريض العامة، وخبرة الفريق، والفائدة المتوقّعة.

لكن هذا التقدّم حقيقي وملموس. ففي بلد غالبًا ما يرزح تحت سرديّة الأزمات، يبدو من اللّافت أن تُجرى في بيروت جراحة معقّدة للكبد والبنكرياس، وتُنقل مباشرة من مكان إجرائها، وتُدرَّس لحظة بلحظة، بما يمنح هذا الإنجاز قيمة تتجاوز حدود غرفة العمليات.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us