تأشيرة ذهبية بقيمة 500 ألف دولار: هل يستطيع لبنان استقطاب المستثمرين؟!

ترجمة هنا لبنان 24 حزيران, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

هل يريد لبنان أن يتحوّل إلى وجهة جديدة لأصحاب الثروات الكبيرة، ومستثمري الجاليات اللبنانية في الخارج؟ فقد أقرّت لجنة المال والموازنة النيابية، في اجتماعها يوم الإثنين، مشروع قانون يكرّس “التأشيرة الذهبية” اللبنانية، وهي آليّة تتيح للأجانب أو للبنانيين غير المقيمين الحصول على إقامة ضريبية خاصة، مقابل استثمار لا يقل عن 500 ألف دولار.
ويقدَّم هذا المشروع، من قبل مؤيديه، كأداة لجذب الرساميل، ودعم إعادة الإعمار، ووضع أسس للتعافي الاقتصاديّ. غير أنّه يطرح في المقابل تساؤلات جوهرية في سياق بالغ التعقيد، بين أزمة مصرفية لم تُحسم بعد، وبقاء لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، واستمرار حالة من عدم اليقين الأمنيّ. ما يطرح السؤال: هل يملك البلد فعلًا القدرة على استقطاب المستثمرين الذين يسعى إلى استقطابهم؟

آلية مستوحاة من تجارب دولية
على خلاف بعض الانتقادات التي أُثيرت مؤخرًا، لا ينص المشروع على منح الجنسية اللبنانية ولا على تعديل قواعد التملك العقاريّ، بل يقتصر على إنشاء نظام إقامة ضريبية تحفيزيّ.
ويأتي النص، الذي أحالته بالأساس الحكومة، ليعدّل بعض أحكام قانون ضريبة الدخل وقانون الإرث، بما يسمح للمستثمرين الأجانب أو اللبنانيين غير المقيمين بالاستفادة من نظام إقامة ضريبية خاص، على غرار نماذج مطبقة في بعض الدول.
وبناءً على تعديلات أدخلها رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، جرى تعزيز مجموعة من الضوابط. ويؤكد كنعان، في حديث لموقع “Ici Beyrouth”، أنّ “الآلية طوعية بالكامل، ولا تفرض أي التزامات على المستثمرين، إذ يمكنهم اختيار الاستفادة منها أو الاكتفاء بإقامة عادية”.
ويضيف أنّ “المشروع خضع لأحكام قانون تملّك الأجانب للعقارات، واشترط تحويل الأموال من الخارج، وأخضع المستفيدين لمتطلبات القانون 44 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”.
ولكي يكون المستثمر مؤهّلًا، يتعيّن استثمار ما لا يقل عن 500 ألف دولار، سواء عبر إيداع مصرفيّ، أو شراء عقار، أو الاستثمار في شركة محلية. كما يفرض رسمًا مقطوعًا لا يقل عن 50 ألف دولار يُسدّد للدولة. وينبغي أن يدفع أفراد العائلة الرّاغبون بالاستفادة من النظام المبلغ عينه.
كما يشترط على المستفيد الإقامة في لبنان مدة لا تقل عن 90 يومًا سنويًّا.

البحث عن سيولة مالية جديدة
بالنسبة إلى الخبير الاقتصاديّ والماليّ جاسم عجاقة، الذي تحدّث لموقع “Ici Beyrouth”، قد يبدو إقرار هذا المشروع، للوهلة الأولى، بعيدًا عن الواقع الاقتصاديّ والماليّ والأمنيّ الراهن في البلاد.
ويقول: “من النظرة الأولى، يبدو قرار اللجنة مفاجئًا، بل متناقضًا. فالقطاع المصرفيّ لم تُعد هيكلته بعد، فيما تبقى الثقة بالاقتصاد اللبنانيّ، وبالنظام الماليّ، مهزوزة إلى حدّ كبير”.
وبحسب الأخير، ثمة دافعان رئيسيان وراء هذه الخطوة. ويشرح: “الدافع الأول هو السعي إلى استقطاب دولارات طازجة، سواء عبر الرسوم المباشرة التي تُحصّلها الدولة، أو عبر الاستثمارات البالغة 500 ألف دولار”. ويضيف: “أمّا الدافع الثاني، الذي أشار إليه أيضًا كنعان، فهو التحضير لمرحلة ما بعد الحرب، وهو ما يفسّر إقرار اللجنة لهذا المشروع”.
وفي هذا السياق، يؤكد كنعان أنّ المشروع لا يشكّل إصلاحًا قائمًا بذاته، بل يأتي ضمن مسار أوسع للتحضير الاقتصاديّ.
ويذهب مؤيدو النص في الاتجاه عينه، إذ يشدّدون على أنّ المشروع ليس بديلًا عن الإصلاحات المنتظرة، لا سيّما إعادة هيكلة القطاع المصرفيّ، وردّ الودائع، وإصلاح المالية العامة، بل هو أداة إضافية تهدف إلى جذب الرساميل وتأمين موارد تمويلية.

قاعدة مستثمرين محتملة لكنها محدودة
يبقى السؤال: هل ثمة طلب فعليّ؟ بالنسبة إلى عجاقة، الإمكانية موجودة غير أنّها تبقى محدودة.
ويقول: “أولًا، ثمة طلب محتمل من أصحاب الثروات، سواء من المغتربين اللبنانيين أو غير المقيمين، ممّن قد يجذبهم البعد الضريبيّ. ففي الكثير من الدول، مستويات الضرائب مرتفعة، بينما يقدّم لبنان مزايا قد تكون جاذبة لهذا النوع من المستثمرين”.
ثم يضيف فئة ثانية: “قد يلقى هذا النظام اهتمامًا أيضًا لدى مستثمرين معتادين على الاقتصادات القائمة على النقد، والباحثين عن مرونة أكبر في إدارة عملياتهم”.
مع ذلك، يبدي حذرًا بشأن الحجم المتوقع: “لا أعتقد أنّ العدد سيتجاوز مئة شخص سنويًّا”. وبحسب تقديراته، قد تتراوح الاستثمارات ما بين 50 و100 مليون دولار سنويًّا، إضافة إلى نحو 5 ملايين دولار من الإيرادات المباشرة للدولة عبر الرسوم.
ويعلّق: “لا يكفي هذا المبلغ لحل الأزمة الاقتصادية أو لتعويض القطاع المصرفيّ. إنّه أشبه بجرعة أوكسيجين”.

ميزة لبنان الضريبية
من أبرز الحجج التي يطرحها مؤيّدو المشروع هو البعد الضريبيّ.
ويقول عجاقة: “إنّه العنصر الأكثر جاذبية على الأرجح”. فلبنان لا يفرض ضريبة على الثروة، كما أنّ ضرائب الإرث بين الأقارب تبقى منخفضة مقارنة بالكثير من الدول الغربية.
ميزة أخرى: تُفرض على المقيمين ضريبيًّا في لبنان الضرائب على الدّخل المتحقّق في داخل البلاد فحسب، وليس على دخلهم العالميّ. ويؤكد: “في لبنان، تُفرض الضريبة على الإيرادات المحققة محليًّا”.
كما يشير إلى أنّ الإقامة الضريبية اللبنانية قد تشكّل خيارًا لبعض المغتربين ضمن إطار تخطيطهم الضريبيّ الدوليّ.
ويضيف أنّ المشروع يتضمّن أحكامًا قد تهم شريحة من الجالية اللبنانية، خصوصًا أحفاد اللبنانيين الذين لا يتمتعون بوضع إداريّ مكتمل. ويختم: “لا يشكل هذا التفافًا للحصول على الجنسية، بل وسيلة للحفاظ على ارتباط قانونيّ وضريبيّ بالبلد الأم”، في ردّ غير مباشر على المخاوف التي أُثيرت بعد إقرار المشروع في اللجنة.

جاذبية نسبية في ظل منافسة إقليمية محتدمة
تبقى المقارنة ببرامج مماثلة قائمة في دول أخرى أمرًا لا مفرّ منه.
“إذا قورن لبنان بدول مثل الإمارات العربية المتحدة، أو قبرص، أو اليونان، فهو يواجه عائقًا أساسيًّا يتمثل في تخلّفه عن السداد، إضافة إلى هشاشة الوضعيْن السياسيّ والأمنيّ فيه”، يقرّ عجاقة.
غير أنّ جاذبية لبنان لا تستند، بحسب الأخير، إلى عنصر الاستقرار، بل إلى مرونة بيئته الاقتصادية.
ويقول: “لا يزال لبنان يتمتّع نسبيًّا باقتصاد ليبراليّ، مع مستوى محدود من القيود التنظيمية، وهو ما قد يشكّل ميزة لفئة محددة من المستثمرين”.
كما قد يمنح الجمع بين الإيداع المصرفيّ، والاستثمار العقاريّ، والمساهمة في شركات محلية، هذا النظام طابعًا أكثر مرونة، مقارنة ببعض البرامج الدولية الأكثر تقييدًا.

تحدّي مجموعة العمل المالي (FATF)
يبقى التحدي الأبرز مرتبطًا بمدى توافق المشروع مع المعايير الدولية لمكافحة تبييض الأموال.
فمنذ تشرين الأول 2024، أُدرج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، ويواصل تنفيذ الإصلاحات المطلوبة للخروج منها. ويُحذّر معارضو المشروع من تحديات تتعلق بتتبّع حركة الأموال في ظل البيئة الحالية.
في المقابل، يؤكد كنعان أنّ الآلية تعتمد على أنظمة الرقابة القائمة، ولا تشكّل أي خروج عن الالتزامات الدولية في مجال مكافحة تبييض الأموال.
كما يشدد على أنّ المشروع لا يمسّ بقواعد الجنسية أو التملك العقاريّ، ولا يحمل أي بُعد ديموغرافيّ، في ردّ على بعض الانتقادات التي أُثيرت في النقاش العام.
وبعيدًا عن الجدل والملاحظات المطروحة (على الرغم من أنّ التعديلات المدخلة على مشروع القانون عالجت جزءًا كبيرًا منها)، تندرج هذه المبادرة ضمن مقاربة تدريجية تهدف إلى الانفتاح، وإعادة الإعمار الاقتصاديّ خطوة خطوة. وفي بلد يسعى إلى استقطاب الرساميل واستعادة الثقة، قد يشكّل إطار ضريبيّ منظم، ومُحكم، إشارة استقرار موجّهة إلى المستثمرين، بمن فيهم أفراد الجالية اللبنانية في الخارج.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us