البُهاق في لبنان: بين الوصمة الاجتماعية ورحلة العلاج

ترجمة هنا لبنان 28 حزيران, 2026

كتب Makram Haddad لـ”Ici Beyrouth”:

بمناسبة اليوم العالميّ للبُهاق، المُحتفى به في الخامس والعشرين من شهر حزيران، يسلّط موقع Ici Beyrouth الضوء على هذا المرض الجلديّ المزمن غير المُعدي، الّذي لا يزال يُختزل أو يُتعامل معه باستخفاف في كثير من الأحيان. وفي لبنان، حيث لا يوجد سجل وطنيّ عام، يطرح البُهاق مجموعة من الإشكاليات، تشمل التشخيص الجلديّ، وإمكان الوصول إلى العلاج بالضوء، وكلفة العلاجات، والأثر النفسيّ، ومكافحة المعتقدات الخاطئة.
البُهاق هو مرض مكتسب في التصبّغ، يتميّز بظهور بقع أو لطخات بيضاء محددة بوضوح، ناتجة عن فقدان تدريجيّ للخلايا الميلانينية، وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج الميلانين. وقد تصيب هذه الآفات الوجه، أو اليديْن، أو المرفقيْن، أو الركبتيْن، أو الأعضاء التناسلية، أو تمتد لتشمل مساحات مختلفة من الجسم.
المرض غير معدٍ ولا ينتقل بالعدوى، ولا يرتبط بسوء النظافة، أو بحروق، أو بفطريات. ويُعدّ البُهاق حالة ذات طابع مناعيّ ذاتيّ، إذ يهاجم الجهاز المناعيّ الخلايا الميلانينية، ما يؤدي إلى نقص تصبّغ تدريجيّ بدرجات متفاوتة.

انتشار غير موثّق بدقة في لبنان
عالميًّا، يُقدَّر انتشار البُهاق بنحو 0.5% إلى 2% من السكان بحسب الدراسات. وإذا طُبِّق هذا النطاق بحذر على لبنان، فإنّه يشير إلى عشرات الآلاف من المصابين المحتملين. غير أنّ هذا التقدير يبقى غير رسميّ، إذ لا سجل وطنيّ عام يتيح قياس معدل الحدوث، أو الانتشار، أو خصائص المرضى اللبنانيين بدقة.
يحد غياب البيانات هذا من تقييم الاحتياجات: عدد المرضى المتابعين، أو إمكان الوصول إلى العلاج بالضوء UVB، أو كلفة المسار العلاجيّ، أو تكرار الحالات الشديدة، أو أثر المرض على جودة الحياة، أو الارتباطات بأمراض مناعية مرافقة.

مرض جلديّ وليس مجرد مشكلة تجميلية
لا يهدد البُهاق عادةً الحياة، غير أنّه قد يحمل تأثيرًا نفسيًّا واجتماعيًّا عميقًا. فإصابة الوجه، أو اليديْن، أو المناطق الظاهرة تزيد من التعرض لنظرة المجتمع، والتعليقات، والإحراج، وأحيانًا الانسحاب الاجتماعيّ.
في لبنان، حيث يحتل المظهر الخارجيّ مكانة بارزة في الحياة الاجتماعية والمهنية، يكتسب هذا البعد أهمية خاصة. فقد يؤدي البُهاق إلى القلق، وتراجع تقدير الذات، وتجنب التصوير، وصعوبات في العلاقات الاجتماعية، أو شعور بالوصمة. وقد تناولت دراسات جامعية لبنانية تأثير موضع الآفات على جودة الحياة، مع أثر أوضح عند إصابة الوجه.

الأسباب والعوامل المرتبطة
آلية البُهاق متعددة العوامل، والعامل المناعيّ الذاتيّ هو الأبرز. ثمة قابلية وراثية أيضًا، فسوابق البهاق العائلية، أو تلك المتعلقة بأمراض مناعية أخرى، أكثر شيوعًا لدى المرضى.
التوتر غالبًا ما يُذكر كعامل مُحفّز أو مُفاقِم. غير أنّه ليس سببًا كافيًا بحد ذاته لتفسير الإصابة بالمرض، إنّما قد يواكب بعض النوبات. وفي السياق اللبنانيّ، الّذي يتسم بضغط نفسيّ مزمن، ينبغي التعامل مع هذا العامل من دون تحميل المريض مسؤولية.
قد يترافق البُهاق أيضًا مع أمراض مناعية أخرى، خصوصًا اضطرابات الغدة الدرقية. وبحسب الحالة، قد يطلب طبيب الجلد فحوصًا موجهة مثل TSH ، أو الأجسام المضادة للغدة الدرقية، أو غيرها من التحاليل عند وجود مؤشرات سريرية مرافقة.

التشخيص الجلديّ
التشخيص في معظم الحالات سريريّ. يقوم طبيب الجلد بتقييم شكل الآفات، وتوزّعها، وتطوّرها، وتماثلها. وقد يساعد مصباح وود على إظهار مناطق نقص التصبّغ بشكل أوضح، خصوصًا لدى أصحاب البشرة الفاتحة.
كما يتعين استبعاد التشخيصات التفريقية: النخالية المبرقشة، والنخالية البيضاء، والأكزيما ناقصة التصبّغ، ونقص التصبّغ التالي للالتهاب، والندبات، والوحمة ناقصة الصباغ، وغيرها من الأمراض الجلدية النادرة. لذلك ليست كل البقع البيضاء بُهاقًا.
ويُميَّز بين الأشكال غير القطاعية، الّتي غالبًا ما تكون ثنائية الجانب ومتناسقة، والأشكال القطاعية الأكثر موضعية. تبقى بعض الآفات مستقرة، فيما تتطور أخرى على شكل نوبات. كما غالبًا ما تستجيب الآفات الحديثة في الوجه والجذع للعلاج، أفضل من تلك الموجودة في اليديْن والقدميْن.

العلاجات: تثبيت المرض وإعادة التصبّغ
ما من علاج شافٍ نهائيّ للبُهاق. وتهدف المعالجة إلى تثبيت نشاط المرض، وتحفيز إعادة التصبّغ، وحماية الجلد، وتحسين جودة الحياة.
تشمل العلاجات الموضعية الكورتيكوستيرويدات الجلدية لفترات محدودة، ومثبطات الكالسينيورين مثل تاكروليموس وبيميكروليموس، خصوصًا في الوجه والمناطق الحساسة. وتُعدّ المعالجة بالضوء UVB ضيق النطاق عند 311 نانومتر خيارًا مرجعيًا للحالات الواسعة أو النشطة.
في لبنان، يبقى الوصول إلى العلاج الضوئيّ تحديًّا واقعيًّا، إذ يتطلب جلسات متكررة لأشهر متعددة، مع ما يرافق ذلك من كلفة، ووقت، والتزام، ومتابعة طبية دقيقة. وتشير بعض المستشفيات، ومنها مستشفى أوتيل ديو دو فرانس، إلى استخدام UVB 311 نانومتر ضمن خيارات البهاق العلاجية، إلّا أنّ هذا العلاج لا يزال غير متاح، أو غير منظم، بشكل متساوٍ لجميع المرضى.

علاجات جديدة مع ضرورة الحذر
شهدت الأبحاث تقدمًا في فهم المسارات الالتهابية المرتبطة بالبُهاق، خصوصًا مسار JAK-STAT . وظهرت مثبطات JAK الموضعية، مثل كريم روكسوليتينيب، كخيار علاجيّ جديد للبُهاق غير القطاعيّ في بعض الدول.
لكنّ هذه العلاجات ليست حلولًا نهائية، إذ تتطلب تشخيصًا دقيقًا ومتابعة طبية، كما تطرح تحديات تتعلق بالتوافر، والكلفة، والتغطية الصحية. وفي لبنان، يبقى التحدي في التمييز بين ما هو متاح عالميًّا وما هو في متناول المريض فعليًّا.

الوقاية الضوئية والمتابعة
تكون المناطق ناقصة التصبّغ أكثر حساسية للأشعة فوق البنفسجية، لذلك الحماية من الشمس ضرورية: واقٍ شمسيّ مناسب، وملابس واقية، وقبعة، وتجنب أوقات الذروة. وتساعد هذه الإجراءات على تقليل حروق الشمس، والحد من التباين اللونيّ بين الجلد الطبيعيّ والبقع البيضاء.
كما تساهم المتابعة الطبية في تجنّب العلاجات غير المناسبة، مثل الخلطات المفتوحة، أو الكريمات المهيّجة، أو المنتجات “الطبيعية” غير المراقبة، أو البروتوكولات غير المبنية على أسس علمية. وتتمثل الرسالة الأساسية في أنّ البُهاق لا يحتاج إلى حلول عشوائية بل إلى تقييم طبيّ متخصص.

التحدي في لبنان
لا يزال البُهاق في لبنان غير موثّق بشكل كافٍ. فغياب البيانات الوطنية، وغياب خريطة واضحة لمراكز العلاج بالضوء، وضعف التوعية العامة، وعدم تكافؤ الوصول إلى العلاج، كلها عوامل تعقّد الرعاية.
لذلك تبقى الأولوية مزدوجة: تحسين مسار الرعاية الطبية، والحد من الوصمة الاجتماعية. فالبُهاق ليس مرضًا معديًا، ولا مجرد مشكلة جمالية، بل مرض جلديّ مزمن له أثر طبيّ، ونفسيّ، واجتماعيّ حقيقيّ.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us