المعضلات الأمنية والسيادية

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:
تعكس مفاوضات واشنطن التباسات جمهورية وبلد لم يعد يجرؤ حتى على تسمية نفسه. فإشكالية الدبلوماسية اللبنانية تكمن في غياب هويتها؛ إذ تبقى صامتة بشأن أوراق اعتمادها، فيما يتحدد خطابها عند نقطة تقاطع استراتيجيات النفوذ الّتي ترسم بنية الحياة السياسية في بلد فقد بوصلته. ولا يبدو ممكنًا فهم كيفية خوض مفاوضات في الخارج في غياب الحد الأدنى من التوافق في الداخل. فالمفاوضون يعالجون القضايا الدبلوماسية انطلاقًا من الخلافات العميقة الّتي أنهكت هذا البلد على مدى عقود.
تبقى مسألة السيادة بحد ذاتها موضع نزاع، لأنّ المفاوض اللبنانيّ المفترض لا يعرف باسم من يتحدث حتى.
في الماضي القريب، واجه لبنان أعباء النفوذ الفلسطينيّ – اليساريّ، ثم تداعيات الهيمنة السورية العَلوية والبعثية، وها هو اليوم يواجه نفوذ النظام الإسلاميّ الإيرانيّ وامتداداته المحلية.
من هنا، يبرز السؤال الأساسيّ حول هوية هذه الدبلوماسية: باسم من تتحدث؟
لا يستطيع لبنان أن يستمر في التموضع داخل مناطق رمادية تتحرك بلا هوادة، وفي ظل تعريفات متنافسة للفاعلين السياسيين المتصارعين. تختصر حادثة الصورة الدبلوماسية بصورة رمزية أزمة الشرعية المزمنة، وانعكاساتها على السيادة اللبنانية. فالرسالة واضحة: هذا البلد محروم من حق التحدث باسمه، ويبقى وجوده الوطنيّ المفترض مؤقتًا، ومرهونًا بشروط متناقضة ومتغيرة.
وتتمثل المسألة الجوهرية في قدرة لبنان على التحدث باسمه وبصفته دولة ذات سيادة. ويبدو أنّ هذا الحق موضع اعتراض بفعل سياسة القوة الإيرانية الّتي تفرض لنفسها صلاحيات سيادية في خارج الأطر الدستورية. وتكمن المفارقة في أنّ هذا الواقع يجد قبولًا لدى غالبية من الطائفة الشيعية تقودها الثنائية السياسية، وتساندها تحالفات عابرة للطوائف.
وتتضاعف أزمة التمثيل هذه بفعل مساريْن دبلوماسييْن متوازييْن: المسار الأميركيّ – الإيرانيّ والمسار اللبنانيّ – الإسرائيلي. وهكذا، تتحول الدبلوماسية اللبنانية إلى دبلوماسية قنوات عبور، تتوسط بين القوى المتصارعة من دون أن تمتلك موقعًا واضحًا أو تعريفًا ثابتًا لدورها.
بعبارة أخرى، تجري المفاوضات مع إسرائيل الّتي لا يعترف لبنان بشرعية وجودها، والدولة الّتي استُخدمت أراضيها تاريخيًّا كمنصات للاعتداء عليه. وتعكس منطلقات المفاوضات الراهنة إرادة تطبيع للعلاقة بين البلديْن يفترض أن تُترجم باتفاق سلام، غير أنّ بلوغ هذا الأخير يبقى أمرًا غير محسوم. فلبنان يتحدث بلغة مواربة، ولا يجرؤ على المضيّ في مسار حاسم نحوه، في حين لا يشكل استمرار حالة العداء عامل تدمير فحسب، بل يعيد طرح مسألة قابلية الدولة على البقاء. فاللبنانيون منقسمون حول قضايا أساسية تتعلق بالوضع السياديّ، وبطبيعة الدولة، وبكيفية تنفيذ الاتفاقات الأمنية الّتي يجري التفاوض بشأنها.
يزعزع الجدل الدائر حول قضايا الاختصاص في خارج الحدود، واحتكار الدولة للعنف المشروع، والتدخل الإيرانيّ، ونزع سلاح حزب الله وأذرعه الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من تداعيات على مسار المفاوضات وأهدافها، مرتكزات الدولة الّتي خضعت لاختبارات قاسية ومتواصلة. كما يعيد طرح مسألة السلم الأهليّ الّذي يتعرض لتداعيات سياسة التقويض الإيرانية. أمّا مسألة الانسحاب الإسرائيليّ فتظل غير قابلة للتحقق في غياب التزامات رسمية من الدولة اللبنانية بشأن نزع السلاح، وإنهاء أشكال الاختراق السياسيّ والعسكريّ في خارج إطار الدولة، والاعتراف بدولة إسرائيل.
ولا يمكن تصور أن تصمد أي اتفاقات أمنية في غياب شراكة فعلية بين دولتيْ لبنان وإسرائيل. فالسلام القائم على الإيحاءات أو أنصاف المواقف غير موجود، والاتفاقات المرتجلة في الماضي القريب أثبتت محدوديتها ولم تؤدِّ إلى نتائج دائمة. ولا يستطيع لبنان الاكتفاء بإعلانات نوايا ملتبسة تقترن بالتزامات متذبذبة على الأرض. فغياب التزام البيئة الشيعية بشكل فعليّ يعيد البلاد إلى رهانات الحروب الإقليمية الّتي اندلعت بعد السابع من تشرين الأول 2023، وإلى التحولات الجيوسياسية الّتي قد تترتب عليها. ويقتضي الأمر أن يتمكن لبنان من التحرر من سياسة النفوذ الإيرانية، لكي يستعيد استقلاله السياسيّ والدبلوماسيّ الّذي بات غائبًا بصورة شبه كاملة.
لن تقود لعبة الخطابات الفارغة ودبلوماسية الاستعراض إلى أي مكان. فإمّا أن يمتلك لبنان إرادة التفاوض بشأن اتفاقات تنهي حالة الحرب والقدرة على التفاوض بشأنها، إلى جانب استكمال مفاوضات تفضي إلى معاهدة سلام، أو ينزلق نحو مسار التفكك خدمةً لاستراتيجية إقليمية تعيش حالة اشتعال مستمر. أمّا الاتفاقات الأمنية الضيقة فلا مكان لها في سياق كهذا، لأنّها ليست سوى تسميات بديلة لحروب مؤجلة. ومن الأفضل عدم التمادي في المواقف الرمادية والملتبسة، إذ لم تؤدِّ تاريخيًّا سوى إلى إنتاج أزمات جديدة، وتمهيد الطريق أمام مواجهات مقبلة. يتخذ التيار الشيعيّ المتشدد موقعًا بنزعة انقلابية، سواء من خلال خطاباته السياسية أو عبر استمرار الحرب في جنوب لبنان باسم سياسة التقويض الّتي ينتهجها النظام الإسلاميّ الإيرانيّ. وما لم تُحسم هذه المعضلات المصيرية، سيبقى لبنان أسير مسار تفكك متواصل يصعب عكسه.
يبرز توقيع الاتفاق الإطاريّ بين دولتيْ لبنان وإسرائيل أهمية المسار الدبلوماسيّ الّذي قادته وزارة الخارجية الأميركية تحت إدارة الوزير ماركو روبيو. فقد أسهم دور الوزارة الحاسم في تجاوز العوائق الّتي عطّلت المساعي الدبلوماسية الرامية إلى إتمام اتفاقات أمنية. ومن شأن هذه الاتفاقات أن تشكل مدخلًا لتوقيع معاهدة سلام تندرج ضمن الامتداد السياسيّ لاتفاقات أبراهام. ويمثل هذا التطور الدبلوماسيّ محطة بالغة الأهمية في اتجاه سلام يضع حدًّا لحروب الماضي، ويمنع نشوب حروب المستقبل. فاستعادة السلام هي الّتي يمكن أن تضع لبنان على مسار الإصلاحات البنيوية، وتفكك آليات التعطيل الّتي تقوم عليها الجمهورية الأوليغارشية، وتقوّض مرتكزاتها الجيوسياسية والمؤسساتية.




