حروب الشرق الأوسط: انتصر الجميع… أو تقريبًا الجميع!

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth“:
إنّها أشبه بجغرافيا سياسية على طريقة “مدرسة المواهب”! بعد 1000 يوم من القتال… يعلن الجميع انتصارهم. وفي الحقيقة، وحده عدم الاستقرار هو من أحرز نصرًا.
فلنتناول كل فاعل على حدة. من المفترض أن تكون حركة “حماس” قد وقّعت على نهاية الصراع ضمن إطار “مجلس السلام” الشهير، إن كنتم تتذكرون. حتى إنّها وافقت على شروط نزع سلاحها. حسنًا! وفق الاستخبارات الإسرائيلية، تنتج حماس مئات المتفجرات، وصواريخ مضادة للدروع شهريًّا. وتعمل كذلك هذه المنظمة، المصنفة إرهابية، على إعادة تأهيل أنفاقها، كما تسعى إلى الحصول على طائرات مُسيّرة عبر إعادة تفعيل شبكات التهريب في سيناء. والأدهى من ذلك، أنّها في طور تجنيد المزيد من “وقود المدافع”. والمدنيون؟ فليواصلوا تيههم بين الركام! فوحدها “القضية”، وحدودها الغامضة بعض الشيء، هي المهمة.
أتقن الإسرائيليون تقسيم المنطقة إلى قطاعات وخطوط، لا سيّما الخط الأصفر. ويبدو أنّ الرغبة في الموت باتت بالنسبة إلى أصحاب الأقنعة تحت الأرض، أقوى من أي وقت مضى.
وبالحديث عن الأصفر، إليكم “حزب الله”! تعلن هذه الميليشيا الإيرانية في لبنان، بدورها، انتصارها… بفضل “وفاء إيران”. هذا غير معقول: فجنوب البلاد مدمّر، والجيش الإسرائيلي يتحرك فيه ذهابًا وإيابًا على هواه، ولبنان كناية عن ركام… مع ذلك، كل هذا لا يهم طالما السلاح غير الشرعيّ في الحفظ والصون. والاتفاقات، ووقف إطلاق النار، والهدن… تسقط ببساطة بإشارة من أمين عام المنظمة الذي يلوّح بحرب أهلية يومًا بعد يوم، كلّما أصرّت الدولة اللبنانية على وضع البلاد تحت مظلتها الحامية الحصرية. وفي الوقت الراهن، يتخبّط البلد في حرب ملصقات مزروعة على طريق المطار.
ويرى الإسرائيليون الذين ضاقوا ذرعًا من تقييد الحليف الأميركيّ لعملياتهم العسكرية، بدورهم، أنّ “المهمة” قد أُنجزت. والجدير بالذكر أنّ بنيامين نتنياهو يمر بمرحلة انتخابية حسّاسة. وبالنسبة إليه، فقد جرى القضاء على التهديدات ضد بلاده، أو تقليصها بشكل كبير على الجبهات السبع المعروفة. ولترسيخ هذه المكاسب، يسعى الجيش الإسرائيلي إلى البقاء في ما يُسمى بالمناطق الأمنية في لبنان، وغزّة، وسوريا… هذا في حال غضّت الإدارة الأميركية الطرف!
أمّا الولايات المتحدة، من جهتها، فتعتبر أنّ اللحظة باتت مواتية لإطلاق مناطق السلام التي يروّج لها ترامب. وتؤكد الولايات المتحدة أنّ إيران أصبحت في وضعية ضعف، وأنّ برنامجها النوويّ والصاروخيّ وبحرها قد دُمّرا، وأنّ أذرعها الإقليمية قد تهاوت، وأنّ مضيق هرمز استعاد بفضلها دوره كـ”شريان طاقويّ” رئيسي. الهدف هنا أيضًا هو الانتقال فعليًّا إلى ما بعد هذا الصراع غير المفهوم، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفيّة في تشرين الثاني، والحاجة إلى تفادي الانزلاق نحو حرب شاملة جديدة، مع تقديم حصيلة إيجابية في الوقت عينه.
وختامها مسك: إيران. يتأرجح الحرس الثوريّ بين التصعيد والتهدئة. فهو تارة يفاوض، وتارة أخرى يطلق خطابات نارية فوضوية يتقنها. والنظام تلقّى ضربات قاسية، والاقتصاد انعدم مع تضخم شهريّ من ثلاث خانات، إنّما… كل شيء على ما يرام! وفي طهران، يسعى الملتحون إلى فرض “رسوم عبور” على السفن التي تمر عبر “مضيقهم”. واليورانيوم المخصّب مدفون تحت الأنقاض، كما يُقال، بما يضمن عدم استرجاعه، ويصعّب وضع اليد عليه.
والخلاصة… انتصر الجميع؟ ليس تمامًا. ففي الواقع، يعمل “تأثير منفضة الغبار” بكامل طاقته، إذ نُثر غبار الصراعات في كل أرجاء الغرفة. وفقدت الشعوب أي بصيص أمل. فالشرق الأوسط لم يمرّ يومًا بهذا القدر من عدم اليقين والقلق. والشعب الإيرانيّ يئس من سلطته التي تزداد تصلّبًا، وحماس تشد الخناق على الفلسطينيين، ونزع سلاح حزب الله تحوّل إلى مفهوم مجرّد، وجنود إسرائيليون يسقطون يوميًّا، والولايات المتحدة أنفقت مئات المليارات من الدولارات…
والأكثر عبثية هو أنّ من يستطيع قراءة مستقبل هذه الصراعات سيكون داهية. فلا أفق لحل دائم، والأسئلة تتراكم. ماذا بعد هدنة الستين يومًا بين الولايات المتحدة وإيران؟ لغز. وماذا سيحل بلبنان المسكين؟ ومَن سيُعيد إعمار ما دُمّر؟ وهل انتهت الحرب بالفعل؟ لغز. وما مصير غزّة؟ لغز. وهل الشمال والجنوب الإسرائيليان بمنأى عن هجمات جديدة؟ لغز. وهل الولايات المتحدة محكومة أبدًا بالتحرك في الرمال المتحركة وتكبّد الأثمان من دون حساب؟ لغز.
ثمة شيء واحد مؤكد: ليس السلام، أي السلام الحقيقيّ الذي يفتح أفقًا للمستقبل، مطروحًا على الطاولة.
وكما قال باروخ سبينوزا: “السلام ليس غياب الحرب. إنّه فضيلة، وحالة ذهنية، ونزعة نحو الخير والثقة والعدالة”.
ونحن بعيدون كل البعد عن ذلك.




