القرم: من غنيمة إمبراطورية إلى نقطة ضعف روسية!

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:
بعد اثني عشر عامًا على ضمّها، تمرّ شبه جزيرة القرم بأخطر أزمة منذ بدء الاحتلال الروسي لها. انقطاعات الكهرباء، ونقص الوقود، وانهيار الموسم السياحي: ها هي القرم تُخنق اليوم، وهي التي قدّمها فلاديمير بوتين عام 2014 بوصفها عودة روسيا إلى مصاف القوى العظمى، بحملةٍ من الطائرات المُسيّرة الأوكرانية. ولإدراك حجم هذا التحوّل، لا بدّ أولًا من العودة إلى ما مثّلته هذه شبه الجزيرة، فعليًا، بالنسبة إلى الكرملين.
قاعدة بحرية لا يمكن الاستغناء عنها
منذ السيطرة على القرم عام 2014، شدّد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) على أنّ أبرز مكسب فوري لموسكو تمثّل في تأمين الوصول إلى قاعدة سيفاستوبول البحرية، وهو ميناء يضم مياهًا دافئة، ويتمتع بمرفأ طبيعي وبنية تحتية واسعة، جعلته من أفضل قواعد البحر الأسود. وقد منح هذا التموضع الأسطول الروسي في البحر الأسود قدرةً على إسقاط القوة في مختلف أنحاء المنطقة، كما شكّل نقطة ارتكاز للقوة الروسية في البحر المتوسط، التي أُعيد تفعيلها آنذاك لدعم العمليات في سوريا.
وقد وثّق “مركز جورج سي. مارشال الأوروبي لدراسات الأمن”، بعد سنوات قليلة، كيف مكّن التحصين الواسع النطاق في شبه الجزيرة روسيا من فرض هيمنة استراتيجية على معظم مسرح البحر الأسود، جامعًا بين المجال البحري وساحله المباشر.
أما “مركز تحليل السياسات الأوروبية” (Center for European Policy Analysis – CEPA)، فقد أوضح هذا التصاعد في القدرات العسكرية، مشيرًا إلى أنّ نشر بطاريات الدفاع الجوي S-400 عام 2018 عزّز المنشآت الاستراتيجية في شبه الجزيرة، ووسّع نطاق تغطيتها ليصل إلى 400 كيلومتر، فيما سمحت منظومتا الدفاع الساحلي “باستيون” و”بال” بتوسيع نظام منع الوصول الروسي، ليشمل شبه كامل المجالين الجوي والبحري في البحر الأسود.
أداة جيوسياسية للضغط على أوكرانيا
إلى جانب البعد العسكري الصرف، أشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية منذ عام 2014 إلى أنّ السيطرة على القرم هدفت أيضًا إلى غاية سياسية أوسع: كبح تقارب كييف مع الغرب، والحفاظ على قدرة التأثير في المسار الأوكراني.
ومن خلال التمركز الدائم في شبه الجزيرة، ضمنت روسيا أيضًا موقعًا هجوميًّا يتيح تهديد أوكرانيا من الجنوب، ما جعل الدفاع عن النصف الشرقي من البلاد أصعب بكثير في حال نشوب صراع مفتوح.
ركيزة سرد بوتين الإمبراطوري
ترافق هذا البُعد الاستراتيجي، على مر السنوات، مع استثمار رمزي واسع النطاق. ويذكّر المجلس الأطلسي بأنّ بوتين وصف شبه الجزيرة، منذ نهاية عام 2014، بأنها “مكان روسي مقدّس”، فيما شكّل افتتاح جسر كيرتش عام 2018 أبرز مشروع إنشائي بالنسبة إلى الكرملين.
وبحسب تشاتام هاوس (Chatham House)، وعلى الرغم من أنّ الخطاب الرسمي يوظّف بكثافة التاريخ والهوية المشتركة، ظلّ المعنى الأساسي للقرم بالنسبة إلى روسيا، في جوهره، استراتيجيًا وعسكريًا، إذ شكّلت شبه الجزيرة عنصرًا حاسمًا في تشكيل تصور موسكو لذاتها قوةً بحرية ودولةً كبرى.
هشاشة مكشوفة حاليًا
تُقوِّض الحملة الأوكرانية الراهنة هذا التوازن بالذات. وتُظهر دراسة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies – CSIS) أنّ الضربات الأوكرانية دفعت سلطات الاحتلال إلى إغلاق مخيمات صيفية وشواطئ، وتعطيل إمدادات الوقود، والتسبّب بانقطاعات كهربائية، ضمن حملة سُجل فيها أكثر من عشرين ألف حادثة.
وذكرت صحيفة “فايننشال تايمز”، في أواخر حزيران، أنّ المدن الكبرى في القرم شهدت انقطاعات واسعة في الكهرباء بعد خروج محطة رئيسية قرب سيفاستوبول عن الخدمة، في حين أشارت السلطات المحلية إلى تراجع تدريجي في السيطرة على مجالها الجوي.
ويرى المجلس الأطلسي أنّ هذا التدهور يمثّل تهديدًا مباشرًا للسردية التي يبنيها الكرملين، مع تسجيل تراجع بنسبة 79% في الحجوزات السياحية خلال حزيران. كما يشير إلى أنّ روسيا كانت قد سحبت الجزء الأكبر من أسطولها من سيفاستوبول، بصورة غير معلنة، بعد سلسلة هجمات بطائرات مُسيّرة بحرية أوكرانية، في تطور جرى تجاهله إلى حد كبير في الإعلام الروسي الرسمي.
ومن جهته، يضع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية هذه الأزمة ضمن سياق أوسع من التراجع العسكري الروسي، حيث سجلت روسيا في ربيع 2026 أولى خسائرها الإقليمية الصافية الشهرية منذ آب 2024.
يتجسّد اليوم ما بدأ يشير إليه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية منذ عام 2014، أي هشاشة القرم أمام انقطاع إمداداتها الحيوية، بصورة مختلفة عن التصور الأولي. فلم يعد الخطر ناتجًا عن حصار تقليدي تفرضه كييف، بل عن حملة ضربات بعيدة المدى تستهدف المصافي، والجسور، وخطوط الإمداد، بصورة منهجية. وبعد اثني عشر عامًا من تجسيدها عودة روسيا المظفّرة إلى ساحة القوى الكبرى، باتت القرم تكشف حدود استراتيجية توسعية تتزايد كلفتها، ومع استمرار الحرب، تتزايد صعوبة إخفاء آثارها يومًا بعد يوم.
مواضيع ذات صلة :
فيضانات في شبه جزيرة القرم.. وإجلاء للسكان |




