التجارة الإلكترونية في لبنان: تجنبوا البائعين الّذين يتعذر العثور عليهم

كتبت Liliane Mokbel لـ”Ici Beyrouth”:
تتميز التجارة الإلكترونية بالسهولة وتوفير الوقت. فلا حاجة إلى تكبّد عناء زحمة السير، إذ تكفي بضع نقرات، وأنت مرتاح في منزلك، لمقارنة الأسعار والموديلات، سواء في لبنان أو في الخارج. غير أنّ هذه السهولة الظاهرية كثيرًا ما تخفي وراءها خيبات أمل متكررة، تتمثل في تفاوت الجودة، وعدم ملاءمة المقاسات، ووجود سلع مقلّدة، ومنتجات تختلف أحيانًا اختلافًا كبيرًا عن الصور الجذابة الّتي غالبًا ما تكون خضعت للتعديل.
أرليت غاضبة لأنّ الفستان الّذي طلبته عبر الإنترنت ليس مناسبًا لها؛ فهو ضيق إلى حد يستحيل عليها ارتداؤه. وإصرارًا منها على إيجاد حل، قصدت المتجر الّذي يبعد نحو ساعة ونصف الساعة بالسيارة. غير أنّ الرد جاء حاسمًا: يستحيل استرداد ثمن الفستان، إنّما يمكن استبداله بقطعة أخرى. لكنّ المشكلة تكمن في أن لا شيء يناسبها، ولا شيء يروق لها. والأهم أنّ هذا الشرط لم يُذكر أبدًا على صفحة البائع في فيسبوك، أو في إنستغرام.
ثقة في غير مكانها أم احتيال؟
لا تتوقف الإشكاليات عند هذا الحد. ففي قطاع السوبرماركت الإلكترونية، تروي زبونة أخرى، ليليان، تجربة متكررة مع طلبات لم تتطابق مع ما طلبته. فمن باب توفير الوقت والجهد، اختارت التسوق عن بُعد، لكنّها تلقت في مناسبتيْن منتجات مختلفة عن تلك الّتي طلبتها. وعند التواصل مع خدمة الزبائن، أكدت إدارة السوبرماركت بأنّ المنتج المطلوب غير متوافر ضمن العلامة التجارية الّتي اختارتها، وبأنّ السلعة الّتي تسلّمتها تحمل مواصفات مماثلة.
غير أنّ هذا التبرير لم يُقنع ليليان، الّتي امتنعت أخيرًا عن التسوق عبر الإنترنت لدى هذه المؤسسة. فهي تتمسك بعلامات تجارية محددة لأسباب تتعلق بالسعر والجودة، بل وحتى بالصحة، لا سيّما بسبب معاناتها من الحساسية، وتأسف لخدمة لا تحترم دائمًا خياراتها وتفضيلاتها.
وتقول: “في التسوق عبر الإنترنت، لا يبدو أنّ الزبون هو الملك دائمًا، خلافًا لما تنص عليه مبادئ التسويق التقليدية”.
هوية البائع الإلكترونيّ… تبقى غامضة
يجب أن يدرك المستهلك بأنّ مصلحته تكمن في إجراء التحريات اللازمة بنفسه قبل إتمام عملية الشراء. وفي هذا الإطار، عليه الاحتفاظ بجميع المستندات المتعلقة بالشراء، من الفاتورة الإلكترونية والإيصالات إلى المراسلات والصور والإعلانات، حتى يتمكن من المطالبة بحقوقه في حال نشوب أي نزاع.
ويبقى تدخل وزارة الاقتصاد اللبنانية محدودًا عند تقديم الشكاوى. ففي الكثير من الحالات، تنجح الوزارة في تأمين استبدال المنتج أو استرداد ثمنه للمستهلك. أمّا إذا كانت المخالفة أكثر خطورة، وتعذر تحديد هوية صاحب الصفحة أو العثور عليه، فتُحال القضية إلى المديرية العامة لقوى الأمن الداخليّ، لا سيّما مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية، بالتنسيق مع القضاء المختص. وفي هذه الحالات، غالبًا ما تكون الإجراءات طويلة ومعقدة، فيما يبقى التعويض غير مضمون.
المحتالون يتكاثرون
مع انتشار فيسبوك، وإنستغرام، وتيك توك بشكل واسع، تحولت منصات التواصل الاجتماعيّ إلى واجهات تجارية حقيقية. وحتى إذا أتاحت هذه المنصات وصول البائعين إلى المستهلكين بسرعة، وبكلفة منخفضة، هي تفسح المجال أيضًا أمام الممارسات المضللة والاقتصاد غير المنظم. فالكثير من البائعين لا يصدرون فواتير، ويغيّرون حساباتهم باستمرار، ويزاولون نشاطهم حصريًّا عبر الهاتف أو تطبيقات المراسلة، ما يجعل تعقبهم أو التحقق من هوياتهم أمرًا غاية في الصعوبة. كما أنّ شيوع الدفع عند التسليم (Cash on Delivery)، أو عبر المحافظ الإلكترونية، في ظل الأزمة الاقتصادية، يزيد من صعوبة تتبع المعاملات، وإخضاعها للرقابة الضريبية.
ماذا يقول القانون اللبنانيّ بشأن التجارة الإلكترونية؟
يمتلك لبنان، منذ ثماني سنوات، إطارًا قانونيًّا ينظم التجارة الإلكترونية. فقد أقر القانون رقم 81 الصادر في العاشر من تشرين الأول 2018 بالحجية القانونية للعقود، والتواقيع، والمستندات الإلكترونية، ونظّم عمليات الدفع الإلكترونيّ، ووضع قواعد لحماية البيانات الشخصية، كما حدد التزامات مقدمي الخدمات الرقمية.
وفي السياق عينه، استكمل تشريع عام 2018 أحكام القانون رقم 659 الصادر في الرابع من شباط 2005 المتعلق بحماية المستهلك، الّذي يشمل أيضًا عمليات البيع عن بُعد، ويُلزم البائعين بتزويد المستهلكين بمعلومات واضحة عن هوياتهم، وخصائص المنتجات، وأسعارها، وكلفة توصيلها، والضمانات المرتبطة بها.
ورغم وجود هذا الإطار القانونيّ، يشوب تطبيقه الكثير من الثغرات. فما زالت أحكام متعددة فيه تنتظر صدور المراسيم التطبيقية، فيما تبقى الاجتهادات القضائية في مجال التجارة الإلكترونية محدودة، ما يترك الكثير من النزاعات من دون حسم.
الإصلاحات المنتظرة
لذلك، يعتبر المتخصصون في الشأن الرقميّ اليوم أنّ التحدي الّذي يواجهه لبنان لم يعد يتمثل في سنّ تشريعات جديدة، بل في تطبيق القواعد الّتي أقرها.
وتُطرح باستمرار جملة من المقترحات، أبرزها إنشاء سجل إلزاميّ للتجار الإلكترونيين، وإلزام البائعين على منصات التواصل الاجتماعيّ بالإفصاح عن هوياتهم، وتعزيز رقابة وزارة الاقتصاد، واستحداث منصة إلكترونية لتسوية النزاعات، وتحسين حماية البيانات الشخصية، وتعزيز التعاون مع الإدارة الضريبية. ولا شك في أنّ التجارة الإلكترونية تمثل فرصة واعدة لرواد الأعمال اللبنانيين، غير أنّ احترام الإطار القانونيّ يبقى الأساس لترسيخ الثقة اللازمة لقيام سوق رقمية مستدامة.
مواضيع ذات صلة :
تمويل مشاريع التجارة الإلكترونية في السعودية يتجاوز 426 مليون دولار |




