استقلال القضاء: هل يجتاز النص الجديد الاختبار أخيرًا؟

كتبت Natasha metni torbey لـ”Ici Beyrouth”:
يعود ملف استقلالية القضاء إلى الواجهة من جديد. وقبل بدء العطلة القضائية المقررة في منتصف تموز، يتجه مجلس القضاء الأعلى (CSM) إلى إحالة مشروع القانون المعدّل المتعلق باستقلالية القضاء إلى وزير العدل عادل نصار، بعد إعادة النظر فيه في ضوء قرار المجلس الدستوري (CC) الصادر في شباط الماضي.
وكان المجلس الدستوريّ قد ألغى يومها القانون رقم 36 الصادر في الخامس من كانون الثاني 2026، والمتعلّق بتنظيم القضاء العدليّ، بكامل مواده، معتبرًا أنّ إقراره خالف قاعدةً دستوريةً جوهريةً متمثلةً في عدم أخذ رأي مجلس القضاء الأعلى. وبحسب المجلس الدستوريّ، لا تُشكّل هذه الاستشارة مجرد إجراء إداريّ شكليّ، بل ضمانة دستورية مستمدة من المادة 20 من الدستور، الّتي تكرّس استقلالية السلطة القضائية.
غير أنّ هذا القرار لم يكن يعني رفض مبدأ الإصلاح بحد ذاته، بل جاء ليؤكد قاعدة أساسية مفادها أنّ أي إصلاح يطال تنظيم القضاء لا يمكن أن يحصل بمعزل عن المؤسسة القضائية، بل يتعين أن تشارك الأخيرة بشكل كامل فيه.
مكرَّسة دستوريًّا… إنّما شبه غير مطبقة
تنصّ المادة 20 من الدستور اللبنانيّ على أنّ “السلطة القضائية تعمل ضمن حدود نظام يحدّده القانون، ويؤمّن الضمانات اللازمة للقضاة والمتقاضين”. ويعني هذا المبدأ الدستوريّ أنّ القضاء لا يمكن اختزاله في مجرّد إدارة تابعة للسلطة التنفيذية، بل هو سلطة مستقلّة تتمتع بضمانات خاصة.
غير أنّ المسافة بين النصّ الدستوريّ والممارسة المؤسّساتية بقيت واسعة. فمنذ عقود، يعمل القضاء اللبنانيّ ضمن نظام تملك فيه السلطتان التنفيذية والسياسية نفوذًا واسعًا على مسار القضاة المهنيّ، خصوصًا من خلال آليّات التعيين، والتشكيلات القضائية، وإدارة شؤون الجسم القضائيّ الإدارية.
وهذا التناقض تحديدًا هو ما يحاول الإصلاح الحاليّ معالجته. فكيف يمكن تكريس قضاء مستقل إذا ارتبطت المؤسّسات المسؤولة عن حسن سيره، ولو جزئيًّا، بجهات سياسية؟
من هنا يبرز السؤال بصورة طبيعية: هل كان لبنان يحتاج إلى قانون جديد لتطبيق استقلالية سبق أن كرّسها الدستور؟ نظريًّا، يفترض أن يكفي المبدأ الدستوريّ لفرض تفسير يحمي استقلالية القضاء. إنّما سمحت الثغرات الموجودة في الإطار القانونيّ القائم، عمليًّا وفي كثير من الأحيان، باستمرار التدخل السياسيّ في شؤون السلطة القضائية.
وعليه، لا يسعى القانون الجديد إلى إنشاء مبدأ جديد بقدر ما يهدف إلى تحويل ضمانات سبق الاعتراف بها إلى أحكام قانونية واضحة، وقابلة للتطبيق.
ما الّذي يريد الإصلاح تغييره عمليًّا؟
يهدف المشروع المعدّل، بصورة أساسية، إلى تعزيز دور مجلس القضاء الأعلى المؤسساتيّ، والحدّ من هامش تدخّل السلطة السياسية في إدارة شؤون العدالة. وتشمل أبرز التعديلات المطروحة إعادة تنظيم تركيبة مجلس القضاء الأعلى، وتعزيز مشاركة القضاة في بعض الآليّات الداخلية، إلى جانب إخضاع بعض القرارات المرتبطة بمسار القضاة المهنيّ لإطار أكثر صرامة من الضوابط.
كما ينصّ المشروع على تعزيز الضمانات المرتبطة باستقرار القاضي، وبتقييم القضاة المهنيّ، وباستقلالية المؤسسة القضائية الإدارية والمالية.
ويأتي هذا الإصلاح أيضًا استجابةً لمطالب شركاء لبنان الدوليين المتكرّرة، الّذين يعتبرون استقلالية القضاء عنصرًا أساسيًّا في دولة القانون، وركيزةً ضروريةً لمكافحة الفساد واستعادة الثّقة الاقتصادية. وقد شدّدت المؤسسات الدولية بصورة متكرّرة على أهمية قيام قضاء مستقل، في إطار الإصلاحات البنيوية الأوسع الّتي تطالب بها من لبنان.
غير أنّ إقرار قانون لا يكفي وحده لتحقيق هذه الغاية، ومهما كان طموحًا. فاستقلالية القضاء لا ترتبط بالنصوص القانونية فحسب، بل تعتمد أيضًا على الثقافة المؤسّساتية، وعلى مدى فاعلية تطبيق الأحكام القانونية، وعلى الإرادة السياسية في احترام فصل فعليّ وحقيقيّ بين السلطات.
لماذا لم تنجح المحاولات السابقة في تحقيق هذا الهدف؟
يرتبط تاريخ إصلاح القضاء اللبنانيّ بسلسلة من المشاريع الّتي بقيت معلّقةً ولم تكتمل. ففي مراحل سابقة، غالبًا ما أقرّت الحكومات المتعاقبة، وبصورة علنية، بضرورة وجود قضاء مستقل، غير أنّها أبقت في الوقت عينه على آليّات تسمح للسلطة السياسية بالحفاظ على نفوذها في إدارة الشأن القضائيّ.
غير أنّ إصلاح القضاء يعني القبول بأن تتمكن مؤسّسة ما من ممارسة دورها من دون أن تكون خاضعةً لتوازنات القوى السياسية القائمة في المرحلة الراهنة. لكنّ أي تعديل يطال آليّات اتخاذ القرار أصبح، في نظام يقوم تاريخيًّا على تقاسم السلطات والتوازنات الطائفية، مسألةً سياسيةً بالغة الأهمية.
واليوم، يتمثّل التحدّي الحقيقيّ في معرفة ما إذا كانت السلطات العامة ليست مستعدة لإقرار قانون جديد فحسب، بل لنقل جزء من النفوذ والرقابة اللذيْن مارستهما تقليديًّا على القضاء إلى المؤسسات القضائية.




