الدبلوماسية في مواجهة الجمود المتبادل

ترجمة هنا لبنان 14 تموز, 2026

كتب Charles Chartouni لـ ”Ici Beyrouth”:

تدور الصراعات في حلقة مفرغة، ولا يبدو أنّ ثمة أي تقدم. فالمفاوضات تصطدم بالعقبات عينها، وللأسباب المعروفة والمسلَّم بها منذ زمن. وما من جديد في سياسة إيران، إذ تواصل تأكيد تشددها وتمسكها بمواقفها. ويواصل النظام الإيرانيّ، في نشوة ما يعدّه انتصارًا، ترديد الخطاب عينه، واعتماد السلوكيات عينها الّتي لم يحِد عنها يومًا. وهو يخطئ هذه المرة في تقدير مرونة الدبلوماسية الأميركية، ويُظهر ازدراءً لأي مسعى إلى تسوية تفاوضية، باعتبار أنّه منتصر من منظوره، من دون أن يسعى إلى توضيح مبررات ذلك. في حين تمضي التطورات الميدانية في الاتجاه المعاكس، ولا تنذر سوى بمزيد من التدهور.

ويستمر الحصار، بينما تتفاقم الانهيارات الاقتصادية والمالية، وتشتد النزاعات مع الدول المجاورة، ويزداد القمع شراسة، وتبلغ أزمة الشرعية مستويات غير مسبوقة. مع ذلك، لا شيء يثير التساؤل، ولا شيء يتغير. وليس في ذلك ما يثير الاستغراب في حالة نظام إسلاميّ شموليّ يتحرك في فضاء منغلق على أي نقد، ويعيش حالة إنكار للواقع. فالقمع يجهض كل نزعة نقدية، ويقضي على أي محاولة إصلاحية ترمي إلى معالجة أوضاع بلد يتهاوى. وفي المقابل، تتكاثر سلوكيات الهروب في شتى الاتجاهات، فيما تتقاطع الأزمات وتتراكم من كل حدب وصوب.

كان ينبغي أن تبدأ المراجعة النقدية من أزمة الشرعية الّتي أعقبت غياب المرشد الأعلى للنظام الإسلاميّ. فالنظام الاستبداديّ يجد صعوبة في استعادة توازنه في غياب الشخصية المرجعية الّتي منحته الشرعية اللازمة، وأدت دور الحكم بين مراكز القوى الّتي تقاسمت أدوات النفوذ وعوائده، وفق التحولات المستمرة في موازين القوى. وبغض النظر عن مصير مجتبى خامنئي، تعجز الديكتاتورية الإسلامية عن استعادة تماسكها المؤسسيّ. فموت السردية المؤسسة، وتعاظم الانقسامات، وانهيار الرابط الأيديولوجيّ بشكل عميق، وفشل الحوكمة، فضلًا عن تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، تقوّض مجتمعة أي فرصة لإعادة البناء. إلى جانب ذلك، يعيد تراكم تداعيات الهزائم العسكرية المتتالية، هذا البلد، إلى مصافّ الدولة الفاشلة، وإلى مجتمع وطنيّ ومدنيّ يعيش حالة تفكك متسارعة.

من الخطأ مقاربة القضايا الجيوستراتيجية والجيوسياسية بمنطق مرجعيّ ذاتيّ، كما لو أنّنا نتعامل مع دولة متماسكة. فإيران تتعامل مع الأزمات الدولية انطلاقًا من واقع مثقل باختلالات عميقة، تضرب البنى الأساسية في بلد يشهد حالة تآكل تدريجيّ. ومن المتعذر بلورة استراتيجية سياسية من دون معرفة دقيقة بالديناميات التآكلية الّتي تنخر إيران “ما بعد الثورة” في مختلف مستوياتها. كما تعجز جنازة المرشد الأعلى، على الرغم من طابعها الاحتفاليّ المبالغ فيه، عن إخفاء التناقضات الّتي تعصف بالبلاد وبالمجتمع المدنيّ. أمّا مراسم التشييع الممتدة ومسارها، فتبدو بمثابة تأكيد للسيطرة على المجال، وكأنّها رسالة تؤكد المضيّ في المشروع الإمبراطوريّ. وفي المقابل، تعكس التهديدات الموجهة إلى الرئيس ترامب حالة الاحتقان الّتي يعيشها النظام، وانزلاقه نحو مزيد من التصعيد، بما يكشف عن قلق سلطة بدأت ركائزها الأساسية تتآكل.

يقوم انتقال السلطة، الّذي يجري في أعقاب غياب الشخصية المرجعية المهيبة، على فراغات متراكمة تستمر في الاتساع. ويكشف تعالي الورثة عن شعور منتشر بانعدام الأمان، وعن تنامٍ متزايد في انعدام الثقة بين مختلف أجنحة التكتل الحاكم، فضلًا عن صراعات داخلية متحولة ستنتهي في نهاية المطاف إلى تقويض المناعة الذاتية عند نظام يعيش حالة من التفكك المتسارع. وتجري المفاوضات في ظل حالة من عدم اليقين تتكاثر بوتيرة متزايدة، كلما تقدمت ديناميات الانحلال الخفية. ويؤكد مسار المفاوضات بوضوح الواقع القائم، ويكشف المنطق الكامن وراء البروتوكولات الّتي تعتمدها الدبلوماسية الإيرانية. ويتمثل هذا المنطق في حماية النظام وضمان استمراره، على حساب حقوق الإيرانيين المنتهكة، والأمن الإقليميّ ودوائره المتراكزة، ومتطلبات الأمن الدوليّ.

وقد صرح المفاوضون الإيرانيون بذلك بوضوح من خلال سعيهم إلى انتزاع تنازلات استراتيجية ترمي إلى إعادة الوضع إلى ما كان عليه، ومنح مناطق نفوذ متغيرة الأبعاد. كما تهدف إلى إعادة بناء منصات للتخريب على المستوييْن الإقليميّ والدوليّ، وإحكام السيطرة على الممرات البحرية العالمية، واستئناف سياسة إعادة التسلح التقليديّ والنوويّ، واستعادة العائدات من قطاع الطاقة، والوصول إلى الأسواق المالية العالمية، مع تجاهل الشروط السياسية والعسكرية المرتبطة بها.

وخلاصة القول، تتمثل الغاية من المفاوضات في تحييد تداعيات الهزيمة العسكرية، واستعادة زخم سياسة إمبراطورية لا تعرف التراجع. فكيف يمكن استئناف المفاوضات مع تجاهل مآزق وإخفاقات مُنيت بها الدبلوماسية التقليدية الّتي كانت تتحرك على أرضية سياسية وأنثروبولوجية أطاحت بها التحولات بالكامل؟ فموازين القوى تستند إلى مرتكزات لا بد من تحديدها بوضوح قبل المضيّ قدمًا. وخلاف ذلك، تبقى فرص نجاح الدبلوماسية ضئيلة في التعامل مع دول لا تحتكم إلى سيادة القانون، ومع أنظمة شمولية كابوسية، عمياء عن الواقع وفتاكة. وتندرج هزيمة النظام الإيرانيّ في إطار ضرورة مزدوجة: وضع حد لدكتاتورية تهدد النظاميْن الإقليميّ والدوليّ، وإنهاء منظومة شمولية قاتلة تستعبد شعبًا متمردًا. ويأتي سقوط النظام الإيرانيّ عند تقاطع الهزيمة العسكرية، والانتفاضة المدنية المتقدة الّتي رافقت جميع مراحل النظام الإسلامي.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us