كأس العالم 2026: مباراة اقتصادية كبرى لدى المطاعم اللبنانية

كتبت Liliane Mokbel لـ ”Ici Beyrouth”:
لا تُخاض منافسات كأس العالم 2026 على المستطيل الأخضر فحسب، بل تمتد أيضًا إلى المطاعم اللبنانية. ففي الوقت الّذي تهدأ فيه شوارع بيروت وضواحيها في أثناء المباريات، تشهد المقاهي والمطاعم تدفق زبائن ملحوظ. ويشكّل ذلك متنفسًا مطلوبًا لقطاع أنهكته الأزمات، غير أنّ العائدات الناجمة عنه تبقى شديدة التفاوت بين مؤسسة وأخرى.
كأس عالم استثنائية
تشكل نسخة عام 2026 منعطفًا في تاريخ البطولة. فهي تُنظَّم للمرة الأولى في ثلاث دول هي الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك، وتضم 48 منتخبًا بدلًا من 32 في النسخ السابقة. وتؤدي هذه الصيغة الجديدة إلى رفع عدد المباريات إلى 104، وسط توقعات باستقطاب أكثر من 6.5 ملايين متفرج إلى الملاعب، بينما يتوقع الاتحاد الدوليّ لكرة القدم “فيفا” أن تتجاوز إيرادات البطولة 13 مليار دولار.
وتجد هذه الضخامة صداها في لبنان. ففي بلد منهك بفعل النزاعات الأخيرة، ورازح تحت ثقل اختلالات مزمنة على مستوى الاقتصاد الكليّ، تؤدي منافسات كأس العالم دور محفزٍ نفسيّ واقتصاديّ. فهي تمنح من يبحثون عن متنفس، فرصة الابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، ولو مؤقتًا، وتدعم في الوقت عينه نشاط بعض القطاعات، وفي مقدمتها قطاع المطاعم.
إعادة توزيع استهلاكية لا جديد فيها
مع ذلك، يبقى من الضروريّ وضع أثر البطولة الاقتصاديّ في حجمه الحقيقيّ. فكما يؤكد بيار الأشقر، رئيس نقابة أصحاب الفنادق في لبنان، لا تؤدي كأس العالم إلى توليد استهلاك إضافيّ على مستوى الاقتصاد الوطنيّ. فالأسر اللبنانية، الّتي تواجه تآكل قدرتها الشرائية بشكل مستمر في ظل دولرة الاقتصاد، تتحرك ضمن ميزانيات محدودة، لا سيّما أنّ كلفة الدخول إلى أماكن البث العام لمباريات كأس العالم تتراوح بين 35 و55 دولارًا.
وعليه، يعمل الحدث في المقام الأول كآلية لإعادة توزيع الإنفاق، لا لزيادته. فالمؤسسات الّتي تبث المباريات تستقطب زبائن كانوا لينفقون أموالهم، في الظروف العادية، في مؤسسات أخرى أو في أوقات مختلفة. وفي المقابل، تشهد المؤسسات غير المجهزة لبث المباريات تراجعًا في عدد روادها في خلال أوقات المباريات. وهكذا، تنتقل الإيرادات من مؤسسة إلى أخرى، من دون أن ينعكس ذلك زيادة في حجم الثروة، أو الاستهلاك على مستوى الاقتصاد ككل.
كلفة الدخول… أولى معايير الفرز
تتطلب الاستفادة من هذا الزخم استثمارًا ماليًّا كبيرًا. ويأتي في مقدمة النفقات ثمن حقوق البث التجاريّ، إذ قد تتجاوز كلفة الحصول على ترخيص قانونيّ للبث العلنيّ 15 ألف دولار للمؤسسة الواحدة، وهو مبلغ يصعب على المؤسسات المتوسطة الحجم تحمله. وبحسب الأشقر، وحدها المؤسسات الّتي تستوعب ما لا يقل عن 150 زبونًا، هي القادرة على تعويض هذه الكلفة، في معظم الحالات.
ويُضاف إلى ذلك نفقات شراء شاشات عملاقة عالية الدقة، وتحديث أنظمة الصوت، وزيادة عدد العاملين، فضلًا عن كلفة تشغيل المولدات الخاصة، الّتي لا تزال ضرورة في بلد تتكرر فيه انقطاعات التيار الكهربائيّ. ونتيجة لذلك، تبقى هذه الفرصة متاحة عمليًّا للمؤسسات الأكثر متانة من الناحية المالية.
البث الرقميّ وتأخر مواعيد المباريات يؤثران على نمط المشاهدة
تؤكد كأس العالم 2026 أيضًا التحول المتسارع في أنماط متابعة المحتوى الرياضيّ. فبينما لا تزال خدمات التلفزيون المدفوع، مثل Cablevision وCV+ تحافظ على قاعدة من المشتركين الأوفياء، تواصل منصات البث الرقميّ والتطبيقات الرياضية توسيع حضورها بوتيرة متسارعة. وتلبي منصات مثل beIN Sports وTOD ومنصة FIFA+ الرسمية طلبًا متزايدًا على المرونة في متابعة المباريات.
وبالنسبة إلى أصحاب المطاعم، يفرض هذا التحول تأمين تجربة مشاهدة تنافس راحة المتابعة من المنزل، إذ أصبحت خدمة الإنترنت اللاسلكيّ السريعة، والشاشات عالية الجودة، والأجواء الودية، عناصر جذب تجارية بحد ذاتها.
من جهة أخرى، يشكل تنظيم البطولة في أميركا الشمالية ميزة غير متوقعة للمؤسسات الّتي تواصل نشاطها حتى ساعات متأخرة من الليل. فالمباريات التي تُقام مساءً أو ليلًا بتوقيت لبنان، تطيل مدة بقاء الزبائن، وتشجعهم على طلب المزيد من المشروبات والمقبلات والنراجيل، ما يرفع متوسط الإيرادات المحققة من كل طاولة.
حدود المكاسب الظرفية
ولا يقتصر تركّز الإنفاق في المؤسسات المجهزة على لبنان وحده، إذ تُظهر الدراسات المتعلقة بالبطولات الرياضية الكبرى سلوكًا مماثلًا الكثير من البلدان، حيث تتجه النفقات نحو الأماكن الّتي تؤمن تجربة مشاهدة جماعية.
غير أنّ هذه الظاهرة في لبنان تكشف كذلك عمق التفاوتات في داخل قطاع المطاعم. إذ تستحوذ المؤسسات الكبرى القادرة على تحمل كلفة حقوق البث، والاستثمار في التجهيزات التكنولوجية، وتغطية النفقات التشغيلية الإضافية، على الحصة الأكبر من العائدات. في المقابل، يبقى عدد كبير من أصحاب المطاعم المستقلة في خارج هذه المعادلة، بسبب محدودية قدراتهم الاستثمارية.
وهكذا، تجسد كأس العالم 2026 حقيقة اقتصادية أوسع: فقد يساهم حدث دوليّ كبير في تحريك النشاط الاقتصاديّ بصورة مؤقتة، من دون أن ينتج ثروة جديدة.
مواضيع ذات صلة :
“فيفا” تبيع عشب نهائي كأس العالم… والأسعار تصل إلى 3000 دولار! | بالأرقام… خوارزمية تكشف أكثر مباريات كأس العالم إثارة | مبابي يطمئن فرنسا قبل نصف نهائي كأس العالم |




