قلعة موسى… حلم تجسّد حجرًا

ترجمة هنا لبنان 19 تموز, 2026

كتبت لـ”Belinda Ibrahim” لـ”Ici Beyrouth“:

غالبًا ما يُحكى عن لبنان بذكر أزماته، وحروبه، وقادته. غير أنّ ثمة أماكن، متناثرة بين الجبال والوديان والمدن، تروي قصصًا أخرى عن هذا البلد. عواصم قديمة، وخطوط سكك حديد مهجورة، ومعابد خفية، ومصحّات متروكة، ومواقع أثرية مجهولة، جميعها تشهد بصمت على عصور مضت. سلسلة لإعادة اكتشاف لبنان من خلال أماكن أسهمت في تشكيل هويته.

تنتصب في جبال الشوف قلعة لا يعود الفضل في تشييدها إلى أمير، ولا إلى سلالة حاكمة. فعلى مدى أكثر من أربعين عامًا، شيّدها موسى عبد الكريم المعماري حجرًا فوق حجر، محوّلًا حلم طفولته إلى واحد من أكثر معالم التراث اللبنانيّ فرادة.

عادةً ما تروي القلاع تاريخ الملوك، أو العائلات النافذة، أو المعارك الكبرى. أمّا قلعة موسى، فتروي حكايةً مختلفةً تمامًا، لأنّها وُلدت من إصرار رجل، أمضى حياته وهو يطارد حلمًا اعتبره مَن حوله مستحيلًا. هنا، لم يسبق الأثر صاحبه، بل كان ثمرة جهده، وشاهدًا على رحلته وسيرته الذاتية، بمعنى من المعاني.

وبحسب رواية موسى عبد الكريم المعماري، بدأت الحكاية على مقاعد الدراسة. سخر أحد مدرّسيه من رسم القلعة الّذي أنجزه، وأخبره بأنّه لن يبنيَ يومًا مثل هذا الصرح. وترك ذلك الموقف أثرًا عميقًا في نفسه. ومع مرور السنوات، لم تغادر صورة القلعة مخيلته. وفي عام 1962، قرر أن يمنحها وجودًا حقيقيًّا. وتحوّل ما بدا في البداية مجرد خيال، تدريجيًّا، إلى مشروع العمر.

حياة مبنية حجرًا فوق حجر

على مدى عقود من الزمن، كرّس موسى معظم وقته لورشة البناء. فنحت الحجارة، وصمّم المساحات، وأشرف على أعمال التشييد، وواصل مشروعه بإصرار قلّ نظيره. ووقفت زوجته إلى جانبه في هذه المغامرة الّتي سرعان ما أصبحت مشروع العائلة بأكملها. وعامًا بعد عام، أخذت القلعة ملامحها، وفق الإمكانات المتاحة وإرادة لم تعرف التراجع.

يمزج المبنى بين تأثيرات معمارية متعددة، مستوحاة من قلاع وحصون تعود إلى العصور الوسطى، كان موسى مولعًا بها. أبراج، وأسوار، وسلالم، وباحات داخلية، وقاعات مقبّبة، تشكل معًا بناءً لا يسعى إلى استنساخ معلم تاريخيّ بعينه، بل إلى تجسيد رؤية شخصية. وتجسد هذه الحرية، إلى حد كبير، سر فرادة المكان. فالقلعة لا تدّعي أصالة أثرية، بل تعتز بكونها نتاجًا معاصرًا.

عند زيارتها، يتضح سريعًا أنّ قيمة الموقع لا تكمن في هندسته المعمارية وحدها. فكل حجر يروي آلاف الساعات الّتي استغرقها بناؤه. وهكذا، يغدو المبنى بأكمله حكاية صامتة عن صبر استثنائيّ تجسّد على امتداد عقود.

ذاكرة لبنان الشعبية

في الداخل، تكتسب القلعة بُعدًا آخر. إذ تضم قاعاتها مئات الشخصيات الشمعية الّتي تعيد تجسيد مشاهد من الحياة اليومية اللبنانية. حرفيون، وفلاحون، وحدادون، ونسّاجون، وخبازون، وموسيقيون، يُعيدون الحياة إلى مهن، وإلى تفاصيل، اندثر بعضها مع مرور الزمن. وتشكّل الأزياء، والأدوات، والمقتنيات المنزلية لوحةً واسعةً للبنان الريفيّ، كما أراد موسى أن ينقلها إلى الأجيال اللاحقة.

ولا تدّعي هذه المجموعة أنّها بديل عن متحف للتاريخ، بل تنطلق من مقاربة أكثر حميمية. فمن خلال هذه المشاهد، سعى مؤسّس القلعة إلى صون ذاكرة عالم عرفه، وشهد تحوله تدريجيًّا. وهكذا، غدت القلعة مساحةً يلتقي فيها التراث الماديّ بالذاكرة العائلية والشعبية.

ولعلّ هذه الرغبة في حفظ الذاكرة هي ما يفسر تعلّق الكثير من الزوار بالمكان. فهم لا يكتشفون مجرد بناء استثنائيّ، بل طريقة مختلفة لرواية لبنان، من خلال الحرف، والمهن، ووجوه النساء والرجال الّذين أسهموا في تشكيله.

حين يتحوّل الحلم إلى تراث

تحتل قلعة موسى مكانةً خاصةً في المشهد اللبنانيّ. فهي ليست حصنًا من العصور الوسطى، ولا قصرًا لأمير، بل ثمرة مغامرة إنسانية تجاوزت صاحبها مع مرور الزمن. وعلى امتداد السنوات، تحوّل هذا المشروع الفرديّ إلى معلم تقصده أجيال من اللبنانيين، إلى جانب زوار يرغبون في اكتشاف رؤية مختلفة للتراث.

تدعونا هذه الحكاية إلى توسيع نظرتنا إلى المعالم. فبعضها صمد عبر القرون لأنّه شُيّد على يد إمبراطوريات أو ملوك، فيما وُلد بعضها الآخر من مثابرة رجل واحد. ولا تنبع قيمتها من قِدمها، بل من قدرتها على أن ترويَ كيف يمكن أن تحوّل الإرادة الإنسانية فكرةً إلى واقع.

وعند مغادرة القلعة، لا يحمل الزائر في ذاكرته تفاصيل عمارتها بقدر ما يحمل سيرة رجل كرّس حياته لمشروع واحد. فمن خلال أبراجها وأسوارها، ترك موسى عبد الكريم المعماري إرثًا يتجاوز حلم طفولته، ليذكّرنا بأنّ التراث لا يولد دائمًا من التاريخ، بل قد يولد أيضًا من وفاء الإنسان لوعد قطعه على نفسه.

المقال المقبل: بكركي… التلة التي كُتب عليها جزء من تاريخ لبنان

إطار

الرسم الذي تحوّل إلى قلعة

بحسب الرواية الّتي نقلها موسى عبد الكريم المعماري، تعود فكرة القلعة إلى رسم أنجزه في طفولته، وسخر منه مدرّسه. وقد شكّلت تلك الإهانة الدّافع الّذي غذّى عزيمته على تشييد القلعة، بعد سنوات، كما كان يتخيّلها على مقاعد الدراسة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us