لبنان والولايات المتحدة: من الحرب الأهلية إلى موازين القوى الجديدة

ترجمة هنا لبنان 20 تموز, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

من الحرب الأهلية اللبنانية إلى انسحاب قوات المارينز الأميركية، مرّت العلاقة بين واشنطن وبيروت بتحوّلات عميقة؛ إذ انتقلت من مرحلة اتسمت بالنفوذ الثقافيّ والدبلوماسيّ إلى انخراط عسكريّ مباشر، قبل أن تعود لاحقًا إلى مقاربة تقوم على إدارة التوازنات الإقليمية.

من الحرب الأهلية إلى التدخل الأميركيّ

مع اندلاع الحرب الأهلية في نيسان 1975، خرج لبنان من موقع شريك الولايات المتحدة الاقتصاديّ والثقافيّ ليصبح ساحة ذات أهمية استراتيجية في الشرق الأوسط. وسعت واشنطن آنذاك إلى الحفاظ على استقرار البلاد، بالتوازي مع حماية مصالحها الإقليمية، واحتواء النفوذ السوفياتيّ، ولعب دور الوسيط في الصراعات بين إسرائيل، وسوريا، والمنظمات الفلسطينية.

راهنت الولايات المتحدة في البداية على المسار الدبلوماسيّ. غير أنّ الاجتياح الإسرائيليّ للبنان في حزيران 1982 شكّل نقطة تحوّل أساسية في مستوى انخراطها. وبوساطة المبعوث الأميركي فيليب حبيب، جرى التوصل إلى اتفاق، أفضى إلى إجلاء آلاف المقاتلين التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية من بيروت.

إثر ذلك، نُشرت قوة متعددة الجنسيات تضم جنودًا أميركيين، وفرنسيين، وإيطاليين، بهدف المساهمة في استقرار العاصمة. غير أنّ اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل، ومجازر صبرا وشاتيلا، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، عوامل سرعان ما أدت إلى الانخراط في صراع أوسع وأكثر تعقيدًا.

ويعتبر السفير الأميركي السابق ديفيد هيل أنّ هذه المرحلة تشكل واحدة من أوضح الأمثلة على حدود التدخل العسكريّ في بيئة سياسية مجزأة. وفي حديثه إلى موقع Ici Beyrouth، أشار الدبلوماسيّ إلى أنّ واشنطن اعتقدت بأنّها قادرة على تحقيق استقرار لبنان عبر الجمع بين الحضور العسكريّ، والوساطة الدبلوماسية، وإعادة بناء المؤسسات، لكنّها اصطدمت سريعًا بتعدد القوى المسلحة، وتنامي دور الأطراف الإقليمية المؤثرة.

1983: إعادة رسم السياسة الأميركية

أدى تفجير استهدف السفارة الأميركية في بيروت في الثامن عشر من نيسان 1983 إلى مقتل 63 شخصًا، بينهم 17 أميركيًّا. وبعد بضعة أشهر، دمّرت شاحنة مفخخة في الثالث والعشرين من تشرين الأول مقرّ قوات المارينز قرب مطار بيروت، ما أسفر عن مقتل 241 عسكريًّا أميركيًّا، ما شكل واحدة من أثقل الخسائر الّتي تكبدتها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.

وعقب هذه الهجمات المنسوبة إلى تنظيم “الجهاد الإسلاميّ” المرتبط بإيران وبحزب الله الناشئ، قرر الرئيس الأميركيّ رونالد ريغان سحب القوات الأميركية من لبنان، في عملية اكتملت في شباط 1984.

ويقول هيل: “يعني هذا أنّ واشنطن تتدخل عندما تكون مصالحها الاستراتيجية مهددة، لكنّها تقلّص سريعًا انخراطها عندما ترتفع الكلفة السياسية والعسكرية بشكل كبير”. وبرأيه، غالبًا ما يدفع هذا المنطق الولايات المتحدة إلى إدارة نتائج الأزمات وتداعياتها، بدلًا من معالجة أسبابها العميقة.

الطائف والتسوية مع سوريا

انتهت الحرب الأهلية اللبنانية مع إقرار اتفاق الطائف عام 1989، بدعمٍ أساسيّ من الولايات المتحدة. ورغم أنّ الاتفاق نصّ على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة ونزع سلاح الميليشيات، اتسمت مرحلة ما بعد الحرب بتكريس النفوذ السوريّ على لبنان.

بعد حرب الخليج، قبلت واشنطن، بحكم الواقع، بالدور المركزيّ الّذي اضطلعت به دمشق، مفضّلة توجيه اهتمامها نحو أولويات إقليمية أخرى، وفي مقدّمها مسار السلام العربيّ-الإسرائيليّ.

وفي حديثه إلى موقع Ici Beyrouth، يعتبر الصحافيّ والمحلل السياسيّ مروان الأمين بأنّ هذا النهج جاء نتيجة حسابات براغماتية، موضحًا: “إذا كان ثمة طرف قادر على إدارة البلاد، وتجنيب الولايات المتحدة الصعوبات الّتي كان لبنان يفرضها، فإنّ ذلك كان مقبولًا بالنسبة إليها”.

ويتفق هيل مع هذا التقييم، معتبرًا بأنّ الولايات المتحدة قبلت بالدور السوريّ في لبنان بهدف الحصول على تعاون دمشق في ملفات إقليمية أخرى. غير أنّ هذه السياسة، بحسب رأيه، ساهمت في إطالة مسار تراجع السيادة اللبنانية وإضعاف مؤسسات الدولة.

وفي خلال تسعينيات القرن الماضي، اقتصرت العلاقات بين بيروت وواشنطن بصورة رئيسة على المساعدات الاقتصادية، والتبادل الأكاديميّ، والتنسيق الدبلوماسيّ.

الحريري والقرار 1559، وعودة الدور الأميركيّ

شكّل اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في شباط 2005 نقطة تحوّل كبرى في العلاقة بين لبنان والولايات المتحدة. ووفق الأمين، فتح هذا الحدث الباب أمام حركة سياسية وشعبية واسعة، طالبت بانسحاب الجيش السوريّ وإنهاء الوصاية السورية على لبنان.

وأدت الولايات المتحدة، بالتعاون مع فرنسا، دورًا محوريًّا في اعتماد القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدوليّ، الّذي دعا إلى انسحاب القوات السورية، واحترام سيادة لبنان، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير الشرعية.

وتحت ضغط ثورة الأرز والمجتمع الدوليّ، انسحبت القوات السورية من لبنان في نيسان 2005، بعد ما يقارب ثلاثين عامًا من الوجود العسكريّ.

ويرى هيل أنّ هذه المرحلة مثّلت محاولة أميركية لإعادة تصحيح التسويات الّتي أُبرمت بعد الحرب الأهلية، من خلال دعم بناء مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز قدرتها. غير أنّ هذا المسار واجه سريعًا صعود قوة حزب الله، وتنامي دوره السياسيّ والعسكريّ.

من 14 آذار إلى التكيّف الأميركيّ

بعد عام 2005، قدّمت واشنطن دعمها للقوى السياسية المنضوية ضمن تحالف 14 آذار، المؤيدة للانسحاب السوريّ وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية. وتمكن هذا التحالف من الفوز في الانتخابات النيابية في العام عينه.

لكنّ مواجهات السابع والثامن من أيار 2008 أحدثت تغييرًا عميقًا في موازين القوى الداخلية. فقد تمكن حزب الله وحلفاؤه من السيطرة على عدد من أحياء بيروت الغربية، مظهرين قدرتهم على فرض شروطهم السياسية والميدانية بالقوة.

ويشرح الأمين: “منذ تلك اللحظة، تخلّت الولايات المتحدة عن دعمها لقوى 14 آذار، وتكيّفت مع الواقع الجديد الّذي أصبح حزب الله القوة الأكثر تأثيرًا فيه”.

أمّا ديفيد هيل، فيعتبر بأنّ واشنطن أدركت آنذاك عدم قدرتها على تغيير التوازن السياسيّ اللبنانيّ بشكل سريع. لذلك، اختارت إعادة توجيه جهودها نحو تعزيز مؤسسات الدولة، لا سيّما الجيش اللبنانيّ، بدلًا من تقديم دعم حصريّ لتحالف سياسيّ محدد.

ويجسّد هذا التحوّل، بحسب هيل، إحدى ثوابت السياسة الأميركية تجاه لبنان: التكيّف مع موازين القوى القائمة عندما يتعذّر فرض بديل يتمتع بمصداقية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us