من قرى جبل لبنان إلى واشنطن: الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة… قوةٌ تتشكّل

كتب Marc-Jérémie Boulos لـ”Ici Beyrouth“:
عندما نشر جبران خليل جبران كتابه “النبيّ” عام 1923، لم يكتفِ بتأليف أحد أكثر الكتب ترجمةً في العالم. فالشاعر والفيلسوف المنحدر من بشري، الّذي استقرّ في الولايات المتحدة منذ سنوات مراهقته، أصبح من أوائل اللبنانيين الّذين نالوا شهرة عالمية، مجسّدًا نجاح جاليةٍ امتد إشعاعها إلى ما وراء حدود وطنها الأم بكثير.
وعلى مرّ العقود، برزت شخصيات أميركية من أصول لبنانية في ميادين السياسة، والعلوم، والطب، والأعمال، والفنون، والرياضة. ويجسّد الجرّاح مايكل دبغي، أحد روّاد جراحة القلب والأوعية الدموية، ورئيس هيئة الأركان الأميركي السابق جون أبي زيد، والعالم شارل العشي، المدير السابق لمختبر الدفع النفاث التابع لوكالة “ناسا”، والممثلة كاثي نجيمي، والممثل توني شلهوب، وحاكم ولاية نيوهامبشير السابق جون سنونو، تنوّع المسارات الّتي سلكها أبناء هذه الجالية.
غير أنّ هذه النجاحات الفردية لا تشكل سوى جانب من قصة أوسع. فعلى مدى أكثر من قرن، اعتُبر اللبنانيون الّذين هاجروا إلى الولايات المتحدة كمهاجرين يسعوْن إلى حياة أفضل، وقد غادروا قراهم بحثًا عن مستقبل أكثر استقرارًا. أمّا اليوم، فلم تعد الجالية اللبنانية مجرد امتداد للبنان في خارج حدوده، بل غدت قوة اقتصادية واجتماعية، وسياسية، قادرة على التأثير بشكل متزايد في المسارات المحلية، ودعم مجتمعات بأكملها، والمساهمة في النقاشات الّتي ترسم مستقبل لبنان.
من قرى جبل لبنان إلى المدن الأميركية الكبرى: جالية وُلدت من المنفى والعمل
اعتُبر اللبنانيون الّذين قصدوا الولايات المتحدة، على مدى أكثر من قرن، مجرد مهاجرين يبحثون عن حياة أفضل. غير أنّ تاريخهم يتجاوز رواية الهجرة الاقتصادية وحدها، وبأشواط. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى العقود الأولى من القرن العشرين، نجح هؤلاء الرجال والنساء في بناء جالية أصبحت اليوم فاعلًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، قادرًا على التأثير في مسارات لبنان.
وبين عاميْ 1880 و1930، غادر عشرات الآلاف من أبناء المشرق أوطانهم متجهين إلى الولايات المتحدة. وتُظهر الدراسات أنّ معظم أفراد هذه الموجة الأولى وصلوا بين تسعينيات القرن التاسع عشر، وعشرينيات القرن العشرين، قبل أن تؤديَ قوانين الهجرة الأميركية الجديدة إلى تراجع حاد في أعداد الوافدين.
وانحدر معظم هؤلاء المهاجرين من جبل لبنان والمناطق المجاورة، الّتي شكلت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية العثمانية. وتعددت دوافع هجرتهم بين البحث عن فرص اقتصادية، والصعوبات الزراعية، والتوترات السياسية، لا سيّما المجاعة الّتي ضربت جبل لبنان في خلال الحرب العالمية الأولى. فبين عاميْ 1915 و1918، أدت هذه الأزمة الغذائية الناجمة عن الحصار، والمصادرات العثمانية، والقيود الّتي فرضتها دول الحلفاء، إلى كارثة إنسانية أودت بحياة عشرات الآلاف.
وشكلت الولايات المتحدة الوجهة الفضلى بالنسبة إلى الكثيرين، لا سيمّا بفضل الشبكات العائلية الّتي كانت قد ترسخت على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسيّ.
أوائل اللبنانيين في أميركا: من الباعة الجوّالين إلى روّاد الأعمال
خلافًا للاعتقاد السائد، لم يتركّز المهاجرون اللبنانيون الأوائل في المدن الكبرى على الساحل الشرقيّ وحده. بل تُظهر المصادر التاريخية أنّهم انتشروا على نحو لافت في مختلف أنحاء البلاد؛ ففي مطلع القرن العشرين، حضرت الجاليات اللبنانية في أكثر من 80% من المقاطعات الأميركية.
بدأ عدد كبير من الوافدين الجدد حياتهم المهنية كباعة جوّالين، يحملون بضائع بسيطة ويجوبون الطرق الأميركية لبيع الأقمشة، والأدوات المنزلية، والسلع المستوردة. ورغم مشقة هذه المهنة، فقد أتاحت لهم ادخار رأس مال، وفهم آليات السوق الأميركية، ثم تأسيس متاجرهم الخاصة في كثير من الحالات.
وقام هذا النجاح إلى حد كبير على شبكات التضامن القروية. إذ غالبًا ما ساعد المهاجر المستقر في الولايات المتحدة أحد أفراد أسرته، أو أحد أبناء بلدته، على عبور المحيط الأطلسي وإيجاد فرصة عمل. وهكذا، تشكّلت الجالية اللبنانية حول منظومة من التضامن العابر للحدود، سبقت بوقت طويل ظهور المؤسسات الحديثة المعنية بدعم المهاجرين.
وفي عدد من المدن الأميركية، تحولت هذه الشبكات إلى مجتمعات اقتصادية حقيقية. ففي مدينة يوتيكا في ولاية نيويورك، مثلت الجالية السورية-اللبنانية، تدريجيًّا، أكثر من 6% من سكان المدينة، وأسهمت في نهضتها الاقتصادية، والثقافية، والسياسية.
حضور لبنانيّ يمتدّ إلى مختلف أنحاء الولايات المتحدة
لا يتركّز اللبنانيون في الولايات المتحدة في منطقة واحدة، حتى في يومنا هذا. فوفق البيانات الديموغرافية المتاحة، يعلن نحو 596 ألف شخص في الولايات المتحدة انحدارهم من أصول لبنانية.
وتضم ولاية ميشيغان أكبر تجمّع للبنانيين الأميركيين، إذ يبلغ عددهم نحو 74,600 شخص. وقد تحولت الولاية إلى واحدة من أبرز مراكز الجالية اللبنانية، لا سيّما في منطقة ديترويت، حيث ترسّخ حضور لبنانيّ وازن على مدى القرن العشرين.
وتحتل ماساتشوستس المرتبة الثانية، إذ تضم نحو 31 ألف شخص من أصول لبنانية، تليها أوهايو بحوالي 29,800 شخص. كما تحتضن كاليفورنيا جالية كبيرة، يفوق عدد أفرادها 70 ألف لبنانيّ أميركيّ، فيما يقيم في فلوريدا نحو 53 ألفًا، وفي تكساس أكثر من 43 ألفًا.
وتضم ولايات أخرى جاليات أصغر حجمًا، لكنّها ذات أهمية تاريخية، مثل نيويورك الّتي يعيش فيها نحو 39 ألف لبنانيّ أميركيّ، وبنسلفانيا الّتي تضم أكثر من 23 ألفًا، وكونيتيكت الّتي يناهز العدد فيها 9 آلاف، فضلًا عن فرجينيا الّتي يزيد عدد اللبنانيين الأميركيين فيها على 18 ألفًا.
ويؤكد هذا الانتشار الواسع، على امتداد الولايات المتحدة، إحدى الخصائص الّتي تميز الجالية اللبنانية: فهي ليست جالية حضرية فحسب، بل مجتمعٌ حاضرٌ في المناطق الصناعية، والزراعية، والتجارية، في مختلف أنحاء البلاد.
عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين: منعطف في تاريخ الهجرة
بعد عقود من تدفّق المهاجرين بصورة متواصلة، شهدت الهجرة اللبنانية إلى الولايات المتحدة منعطفًا حاسمًا في خلال عشرينيات القرن العشرين.
فمع تصاعد الحركات المناهضة للهجرة في الولايات المتحدة، أقرّ الكونغرس الأميركيّ قوانين أكثر تشددًا، وفي مقدمتها قانون حصص الهجرة لعام 1924. وقد أدّت هذه الإجراءات إلى تقليص أعداد المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط بصورة كبيرة، بمن فيهم السوريون واللبنانيون.
وعلى مدى قرابة الثلاثين عامًا، أصبحت فرص الهجرة إلى الولايات المتحدة أكثر محدودية. فلجأ بعض اللبنانيين إلى سلوك مسارات بديلة للوصول إلى عائلاتهم، لا سيّما عبر كندا أو أميركا اللاتينية.
غير أنّ هذه المرحلة لم تمنع ترسيخ الجاليات الّتي سبق أن استقرت. فقد وسّعت العائلات أنشطتها التجارية، وشيّدت مؤسسات دينية، وأنشأت جمعيات، واستثمرت في تعليم أبنائها.
وهكذا، مثّلت ثلاثينيات القرن العشرين مرحلة انتقالية؛ إذ تباطأت وتيرة الهجرة، لكنّ الجالية دخلت مرحلة من الاستقرار والاندماج الدائم في المجتمع الأميركي.
وتحول أبناء الجيل الأول إلى أطباء، ومحامين، ورواد أعمال، ومسؤولين سياسيين. ولم يعد هدفهم يقتصر على تحقيق النجاح تمهيدًا للعودة إلى لبنان، بل أصبح بناء حياة جديدة في الولايات المتحدة، مع الحفاظ على صلة بالوطن الأم.
من التحويلات المالية إلى نمط جديد من الحوكمة المحلية في لبنان
تمثّلت مساهمة الجالية اللبنانية الأبرز في دعم لبنان ماليًّا، إذ شكّلت التحويلات الّتي أرسلها المغتربون ركيزةً أساسية لآلاف العائلات اللبنانية.
وقبل أزمة 2019 الاقتصادية، مثلت التحويلات المالية ما بين 15 و20% من الناتج المحليّ الإجماليّ اللبنانيّ، ما جعل البلاد من بين أكثر دول العالم اعتمادًا على هذه التدفقات المالية.
غير أنّ هذا النموذج تطوّر. فلم تعد الجالية تكتفي بدعم الأسر، بل أصبحت تساهم مباشرة في تمويل مشاريع جماعية.
إذ لجأت بلديات متعددة إلى جالياتها في الخارج بعد الانهيار الاقتصاديّ عام 2019، وانفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، والدمار الّذي خلّفته النزاعات الأخيرة، بهدف تلبية احتياجات أساسية.
فقد أُعيد تأهيل مدارس، ودعم مراكز طبية، وتمويل مشاريع للمياه والبنى التحتية بفضل مساهمات لبنانيين يقيمون في الخارج.
وفي بعض المناطق، تؤدي الجالية دور فاعلٍ موازٍ في الحوكمة المحلية، معوّضةً غياب الدولة أو ضعف حضورها.
نفوذ يتجاوز الاقتصاد
غير أنّ هذا النفوذ المتنامي يثير في الوقت عينه جملةً من التساؤلات. فغالبًا ما تتسم تمويلات الجالية بالسرعة والمرونة، لكنّها قد تعتمد أيضًا على العلاقات الشخصية، أو العائلية، أو السياسية.
إذ يسهل على القرى ذات الجالية الكبيرة والمنظمة، استقطاب الموارد، أكثر ممّا تفعله بلدات أخرى أقل ارتباطًا بالمغتربين. ومن ثمّ، قد تسهم الجالية في الحد من بعض أوجه القصور في الخدمات العامة، غير أنّها قد تؤدي أيضًا إلى تعزيز بعض أوجه التفاوت بين المناطق.
وهكذا، يكتسب دورها بُعدًا سياسيًّا عميقًا. فقدرة رئيس البلدية أو المسؤول المحليّ على حشد الدعم من الخارج، تمثل اليوم شكلًا من أشكال النفوذ.
ولم تعد الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة مجرد امتداد للبنان في خارج حدوده. فمنذ الباعة الجوالين الأوائل الّذين وصلوا في أواخر القرن التاسع عشر، وصولًا إلى رواد الأعمال، والمهنيين، والفاعلين المجتمعيين اليوم، أصبحت الجالية قادرة على التأثير في الاقتصاد، والمجتمع، ومستقبل الحوكمة المحلية في لبنان.
وفي نهاية المطاف، تُظهر تجربة اللبنانيين في الولايات المتحدة تحولًا جوهريًّا: فالاغتراب لم يُحدث قطيعة مع الوطن الأم، بل أوجد شبكة عالمية لا تزال تسهم في رسم ملامح لبنان من الخارج.
مواضيع ذات صلة :
الجالية اللبنانية تحتفل بأحد الشعانين في روما | رجّي يتابع أوضاع الجالية اللبنانية في فنزويلا | الراعي اطّلع من سفير لبنان في فنزويلا على أوضاع الجالية اللبنانية |




