استقبال الرئيس عون في واشنطن

كتب David Hale لـ”This Is Beirut“:
تحظى اللقاءات بين رؤساء الدول دائمًا بأهمية خاصة، غير أنّ القمم الرئاسية تختلف في أهدافها، وطبيعتها، ونتائجها. إذ يهدف بعضها، كاجتماعات قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى تجديد الشعور بوحدة الغاية ورأب التصدّعات الّتي لا بدّ أن تنشأ بين الحلفاء. ويسعى بعضها الآخر، كالقمم الأميركية – الصينية، إلى إيجاد أرضيّة مشتركة وإدارة الخلاف ضمن علاقة تنافسيّة. وتُعقد قمم لإعادة بناء علاقات أنهكتها الخلافات السابقة، كما في زيارة القادة الباكستانيين إلى واشنطن. أمّا في نظر الدبلوماسيين المحترفين، فتشكل إلى حدّ ما القمم الّتي تجمع بين زعيميْن يتقاسمان الرؤية عينها فضلى أنواع القمم، لأنّها الأقل مخاطرة، إذ يتوج اللقاء ما أنجزاه معًا، ويؤكد اتفاقهما على المسار الّذي سيسلكانه في المرحلة المقبلة. وسيأتي اللقاء بين الرئيسيْن ترامب وعون في هذا الإطار.
يُعتبر عون ثالث رئيس لبناني يُستقبل في البيت الأبيض، بعد أمين الجميل وميشال سليمان. أمّا إلياس الهراوي، فقد التقى بالرئيسيْن بوش وكلينتون في نيويورك، كلٌّ على حدة، خلال الافتتاح السنوي لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويعكس هذا العدد المحدود حقيقة أنّه نادرًا ما جمعت رؤية مشتركة بين الرؤساء الأميركيين واللبنانيين خلال الحقبة الطويلة الّتي خضع فيها لبنان للهيمنة السورية. وفي المقابل، كان رؤساء الحكومات اللبنانية، لا سيّما أولئك الّذين تصدّوا للنفوذ السوري والإيراني، مثل رفيق الحريري وسعد الحريري وفؤاد السنيورة، أكثر تردّدًا على المكتب البيضاوي، وأكثر حفاوةً واستقبالًا فيه.
لقد تبدّل ذلك كله مع التحوّل في موازين القوى في الشرق الأوسط ولبنان، بما يصب في مصلحة استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها. فالرمزية تشكّل عنصرًا أساسيًا من عناصر فنّ إدارة الدولة. وبالنسبة إلى لبنان، تُجسّد هذه القمة تحوّلًا في وجهته، وخروجه من ظلّ هيمنة إيران واستبدادها. أمّا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فتعكس التزامًا رئاسيًا بالمساعدة على الحفاظ على هذا الزخم، ومواصلة دعمه.
وبينما تُعتبر الزيارة بحدّ ذاتها مهمّة، لا يقل توقيتها أهمية عنها. إذ قد أحسن الرئيس عون الانتظار إلى أن حانت اللحظة المناسبة، بحيث يزور واشنطن وهو يحمل في جعبته ما هو أكثر من مجرد قائمة مطالب، علمًا أنّه خطأ كاد أن يكون قاتلًا بالنسبة إلى زوار آخرين، مثل الرئيس الأوكراني زيلينسكي. فعون يصل إلى واشنطن وهو في موقع يُتيح له أن يشارك الرئيس ترامب الإقرار بالمكاسب الّتي حقّقاها معًا خلال الأسابيع الأخيرة، وبالالتزامات الّتي تعهّدا بها مع إسرائيل ضمن الإطار الثلاثي المؤرّخ في السادس والعشرين من حزيران.
بعد ذلك، سيحين وقت التركيز على العمل الّذي ينتظرنا. وفي المقام الأول، تبرز مهمة ترسيخ الترتيبات الخاصة بنزع سلاح حزب الله بصورة تدريجية، ومتبادلة، ومرتبطة باستيفاء الشروط، بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيلي واستعادة السيادة اللبنانية. وقد أُخذت العبر من اتفاق وقف إطلاق النار السابق. وتتمثّل العبرة الأولى في أنّه لا يمكن توقّع أن يتحمّل الجيش اللبناني بمفرده مهمة نزع السلاح. أمّا ثانيها، فتتمثّل في سلبيّة آليّة المراقبة المتمركزة في الناقورة الزائدة، وبُعدها عن الواقع الميداني. ومن هنا، جاء النهج الجديد القائم على اعتماد مناطق تجريبية كمنهجية تدريجية، خطوةً خطوة. وإلى جانب ذلك، ينصّ الاتفاق على إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية للبنان، تضم الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، وتتولى بصورة فاعلة إدارة منع الاحتكاك، والتحقّق، والتنفيذ، من دون الاكتفاء بالمراقبة. ولا شك في أنّ الزيارة الأخيرة الّتي قام بها قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) الأدميرال براد كوبر إلى لبنان، قد أسهمت في دفع العمل على التفاصيل مع نظرائه اللبنانيين. وستسهم توصياتهم في توجيه القادة في خلال اجتماعهم في واشنطن.
ويؤكد الاتفاق استمرار المساعدة الأميركية للجيش اللبناني. ويجسّد التزام إدارة ترامب القوي في هذا الصدد، وإن كان مقترنًا، على نحو مفهوم، بشرط ارتباط المساعدات بنتائج قابلة للتحقق. ويستحقّ ما أبداه قادة لبنان من التزام شامل، ليس لاستعادة السيادة والقضاء على أسلحة إيران وحزب الله، وأنشطتهما العسكرية غير الشرعية في لبنان فحسب، بل أيضًا لبناء علاقة سلمية مع إسرائيل، دعمًا أميركيًا كاملًا لضمان نجاحه. وتمتلك إدارة ترامب والرئيس عون مبرّرات قوية لطرحها أمام الكونغرس الأميركي من أجل تأمين دعم قوي للجيش اللبناني.
ويتطلع الإطار الثلاثي إلى مساعدات دوليّة سخيّة لإعادة إعمار لبنان، تبدأ فورًا في المناطق التجريبية، وتمتدّ كذلك لتشمل البلد ككل. وستشكّل القمة فرصةً مواتيةً للقادة لمناقشة هذا الجهد، وربما إطلاقه. ويقوم نموذج إدارة ترامب للمساعدات الخارجية على قيادة قطاع الخاص لهذا المسار، لذا ينبغي ترقّب مؤشرات إلى استعداد مؤسسة تمويل التنمية الأميركية (Development Finance Corporation)، وغيرها من الوكالات الحكومية الأميركية، لتعبئة قروض مُيسّرة تطلق طاقات القطاع الخاص لإعادة إعمار لبنان، وترسيخ جهود صنع السلام. كما يتعيّن ترقّب مؤشرات إلى التزام أميركي بحشد الدعمَيْن السياسي والمالي من الدول العربية من أجل هذا الجهد ككل.
وفي حين يُشكّل الأمن والإغاثة الإنسانية أولويتَيْن عاجلتَيْن، يُشير الإطار الثلاثي إلى أنّ الأطراف لن تنتظر قبل المضي قدمًا في مسارٍ موازٍ لاستكشاف آفاق السلام. وستكون زيارة الرئيس عون فرصةً مناسبةً لاستكمال بلورة هذا المسار، والإعلان عن انطلاق اجتماعات مجموعات العمل، للشروع في التفاوض على اتفاق شامل للسلام والأمن.
وستبذل إيران وحزب الله كل ما في وسعهما، على الرغم من تراجع قدراتهما الّتي تبقى، مع ذلك، قائمة، لإفشال هذا الجهد. وينبغي أن نستعد لذلك ونتأهّب لمواجهته، من دون أن تردعنا أعمال العنف والإرهاب الّتي لم يتبقَّ لإيران وحزب الله سوى استخدامها كأدوات نفوذ مهمة. وقد أعلن نعيم قاسم، الّذي لم يُنتخب لأي منصب وطني، بأنّ الاتفاق “باطل ولاغٍ”، وكأنّه يشغل موقعًا يعلو على موقع رئيس الجمهورية اللبنانية ومجلس الوزراء. كما حرّض قادة حزب الله على تأجيج الصراع الطائفي. ويُشكّل العنف في الشوارع والاغتيالات وسيلتَيْن من وسائل الدفاع التقليدية المعتمدة من حزب الله، من دون أن يعتمدهما عدد كبير من أنصاره. وسيكون للبرلمان اللبناني دوره في النظر في أي اتفاق يجري التوصل إليه مع إسرائيل، وفي هذا المنتدى بالذات سوف يقيّم قادة لبنان المنتخبون قيمة ما أُنجز. هذا هو المسار الّذي تسلكه الديمقراطيات ذات السيادة، لا الدول البوليسية الثيوقراطية ولا الميليشيات، عند اختيار المسار الأفضل لخدمة مصالح وطنها.




