هل يستطيع الحوثيون فعلًا إغلاق باب المندب؟!

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
منذ أن أوعزت طهران إلى حلفائها اليمنيين بالاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب، في حال شنّت الولايات المتحدة ضربات على منشآت الطاقة الإيرانية، تصاعدت المخاوف من احتمال إغلاق متزامن لأهم ممرَّيْن استراتيجيَّيْن لنقل النفط في الشرق الأوسط. ففي ظلّ الشلل الكبير في مضيق هرمز، يثير احتمال إغلاق البحر الأحمر، بالتزامن، قلق الأسواق والعواصم على حدّ سواء.
لكنّ الحوثيين، وعلى الرغم من أشهر من التهديدات وامتلاك ترسانة فعلية، لم يُقدموا على هذه الخطوة. وتفسّر عوامل متعدّدة هذا التريث، منها عوامل عسكرية، وسياسية، ودبلوماسية.
قدرة عسكرية حقيقية لكنّها غير كافية
يمتلك الحوثيون ترسانةً كبيرةً، مصدرها الأساسي إيران، تشمل صواريخ مضادّة للسفن، وطائرات مُسيّرة انتحارية، وألغامًا، وزوارق سريعة، وغيرها. وقد أثبتت الجماعة قدرتها على إلحاق أضرار ملموسة؛ فمنذ عام 2023، تعرّضت سفن متعدّدة للغرق أو لأضرار جسيمة، من بينها سفينة الشحن “توتور” عام 2024، كما فقد بحارة حياتهم في هجمات نُفّذت حتى عام 2025.
لكنّ هذه الترسانة لا تكفي لفرض إغلاق المضيق بشكل دائم ومنهجي. ووفق تحليل نشره “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” في كانون الأول 2023، يبلغ سقف المدى الفعلي للصواريخ الحوثية المضادّة للسفن نحو 300 كيلومتر انطلاقًا من مناطق سيطرتهم، ما يحدّ من نطاق المناطق التي يستطيعون فيها تهديد السفن فعليًّا. ويشير المعهد أيضًا إلى أنّ عرضًا عسكريًّا أُقيم في صنعاء في أيلول 2023، قدّم صواريخ “تنكيل” و”حاتم” بعيدة المدى، ثم تبيّن لاحقًا أنّها مجرد نماذج شكلية تفتقر إلى المكوّنات الأساسية اللازمة لصاروخ قابل للتشغيل.
كما يطرح انتشار الحوثيين الجغرافي تحدّيًا إضافيًّا؛ فالحركة تسيطر على محافظة الحديدة الواقعة على ساحل البحر الأحمر، لكنّها لا تسيطر على محافظة تعز، التي تطلّ مباشرة على المضيق، وتبقى تحت سلطة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا.
ويلخّص إبراهيم المالك، الباحث المتخصّص في الحوكمة الاستراتيجية، في تصريح نقله موقع “الحرة”، هذه المعضلة بوضوح: فالجماعة قادرة على شنّ هجمات أو رفع كلفة العبور، لكنّ إغلاق المضيق الفعلي يتطلّب ببساطة قدرات عسكرية ولوجستية، وقدرة على التحكم البحري تفتقر إليها الأخيرة.
اختلال جغرافي في موازين القوة مع إيران
على خلاف إيران، التي تمارس نفوذها في مضيق هرمز بفضل قوات متمركزة مباشرة على سواحل المضيق، لا تملك طهران أي وجود عسكري قريب من باب المندب. وهذا ما يلفت إليه يوجين غولز، أستاذ العلوم السياسية في جامعة نوتردام، في تصريح نقله موقع “تايم”: فإيران مضطرّة إلى الاعتماد على طرف وسيط للتحرّك في هذه الجبهة، في حين يأتي تدخلها مباشرًا في هرمز. ويؤدي هذا الاعتماد على طرف ثالث، مهما بلغت درجة ولاء هذا الأخير، إلى إدخال عنصر من التأخير وعدم اليقين، وهو ما تميل الخطابات الإيرانية إلى التقليل من شأنه.
وتُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بدورها، قدرة حركة الملاحة الفعلية على الصمود؛ إذ ارتفعت مجدّدًا كمّيات النفط الخام العابرة للمضيق، التي انخفضت إلى 4.1 ملايين برميل يوميًّا عام 2024 بعد بدء الهجمات الحوثية، إلى 5.4 ملايين برميل يوميًّا في الربع الأول من عام 2026، ما يؤكد استمرار حركة الملاحة على الرغم من التوترات.
حسابات سياسية تؤخر القرار
يتعيّن على الحوثيين كذلك مراعاة اعتبارات تتجاوز ميزان القوى العسكري المباشر. فقد أشار تحليل نشره مشروع الأمن الأميركي في أيار 2026 إلى أنّ الجماعة لا تزال تخرج من آثار حملة ضربات أميركية وإسرائيلية تسبّبت بأضرار قُدّرت بنحو 1.4 مليار دولار في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فضلًا عن تأثرها غير المباشر بإغلاق مضيق هرمز على إمداداتها القادمة من إيران.
ويشير التحليل إلى أنّ خطاب الحركة تجاوز أفعالها بفارق كبير منذ وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في تشرين الأول 2025، وأنّ أي تصعيد في المضيق سيؤدّي إلى خرق وقف إطلاق النار المبرم مع واشنطن في أيار 2025، كما سيقوّض المفاوضات الجارية مع السعودية منذ الواحد والعشرين من نيسان.
وتشير صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية إلى مصدر عدم يقين آخر داخل إيران، متمثل في الصراع المفتوح بين معسكر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الداعي إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، والتيّارات الأكثر تشددًا. وبسبب هذا الصراع على النفوذ، يصبح من الصعب تحديد من يملك، تحديدًا، صلاحية إصدار أمر الإغلاق.
كذلك، توضح “هآرتس” حجم الرهان الاقتصادي بالنسبة إلى الرياض؛ إذ يستطيع خط الأنابيب الذي يربط الخليج بميناء ينبع نقل سبعة ملايين برميل يوميًّا، في حين لا تستوعب محطّات هذا الميناء سوى أربعة إلى أربعة ملايين ونصف مليون برميل يوميًّا، بينما لا يمكن لقناة السويس أن تستقبل أكبر ناقلات النفط كبديل. ومن شأن إغلاق المضيق أن يحرم السعودية من طريق التصدير الاحتياطي الأساسي لها، وهو سيناريو ليس من مصلحة الرياض، ولا طهران في نهاية المطاف، الدفع نحوه
مواضيع ذات صلة :
الحوثيون: استهدفنا مواقع حيوية للجيش الإسرائيلي | رسميًا.. الحوثيون يدخلون المعركة! | الحوثيون يقتحمون مقراً أممياً في صنعاء.. والأمم المتحدة تحمّل الجماعة مسؤولية سلامة موظفيها |




