التصعيد الأميركيّ – الإيرانيّ: هل يبقى لبنان بمنأى؟

ترجمة هنا لبنان 21 تموز, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

تتصاعد التوتّرات بين الولايات المتحدة وإيران. وفي لبنان، حيث يشكّل الملف الأمنيّ محور زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن، يتمحور السؤال الأساسيّ حول ما إذا كان البلد سيتمكن من البقاء بعيدًا عن هذه المواجهة الجديدة، أم أنّه سيُجرّ، مرةً أخرى، إلى تداعيات صراع يتجاوز حدوده وقدرته على التحكم بمساره.

لا تبعث التطورات الأخيرة على الاطمئنان؛ فتهديدات الحرس الثوريّ ضد القوات الأميركية، والضربات الّتي تبنّاها ضد منشآت عسكرية أميركية في الأردن، والحوادث في مضيق هرمز، إلى جانب تعزيز الانتشار العسكريّ الأميركيّ في الشرق الأوسط، كلها تعكس تصاعد مستوى التوتر.

بيروت تريد تجنّب أن تكون ساحةً معركة للآخرين

تسعى هذه المرة بيروت إلى منع الأحداث من فرض مسارها عليها. وعلى خلاف الأزمات السابقة، تُحاول السلطات اللبنانية إبقاء البلاد بمنأى عن المواجهة بين واشنطن وطهران، وحمايتها من انزلاق إقليميّ جديد.

ويأتي ذلك في وقتٍ تعلن فيه طهران استعدادها للردّ عسكريًّا على الولايات المتحدة، بينما الرئيس عون موجود في واشنطن لعقد لقاء حاسم، اليوم الثلاثاء، مع نظيره الأميركيّ دونالد ترامب. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تُحاول السلطة اللبنانية رسميًّا فصل مصير لبنان عن حسابات إيران، في وقتٍ تسعى فيه طهران إلى الحفاظ على أدوات نفوذها الإقليمية ضمن منطق المواجهة مع واشنطن.

ويُذكر في هذا السياق بأنّ أي تصعيد بين واشنطن وطهران انعكس، حتى وقت قريب، وبصورةٍ شبه تلقائيّةٍ على الساحة اللبنانية عبر حزب الله. أمّا اليوم، فتحاول الرئاسة اللبنانية منع تحوّل الأراضي اللبنانية مجددًا إلى مسرح لحرب تُقرَّر في خارج مؤسسات الدولة.

في واشنطن، يُراهن عون على ورقة الدولة اللبنانية

ويستند هذا التوجّه أساسًا إلى الاتفاق – الإطار الّذي جرى التفاوض عليه بوساطة أميركية في حزيران الماضي. وينصّ الاتفاق على انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ من بعض المناطق في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبنانيّ، وتوسيع المناطق التجريبية، وصولًا إلى تطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة.

وفي المقابل، يُنتظر أن تضمن واشنطن استمرار الضغط على إسرائيل لضمان تنفيذ مسار الانسحاب الفعليّ. وفي حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”، يعتبر الجنرال دومينيك ترانكان، الخبير العسكريّ والرئيس السابق للبعثة الفرنسية لدى الأمم المتحدة، أنّ أحد أبرز أهداف زيارة عون إلى واشنطن هو الحصول على دعم أميركيّ للدولة اللبنانية في مسار نزع سلاح حزب الله.

ويرى أنّ النقاشات تتمحور حول كيفية مساعدة الولايات المتحدة لبيروت في استعادة احتكار الدولة للسلاح، وتعزيز المؤسسات الرسمية.

ما هي السيناريوهات المُتاحة أمام لبنان؟

إذا قررت إيران تصعيد عملياتها ضد القوات الأميركية في المنطقة على نحو مستدام، فسيجد لبنان نفسه أمام عدد من السيناريوهات المحتملة. فما هي؟

يتمثّل السيناريو الأول، الّذي تسعى كل من بيروت وواشنطن إلى اعتماده، وربما هو الأكثر ترجيحًا، في إبقاء الجبهة اللبنانية بمنأى عن الصراع. ويشير ترانكان إلى أنّ لطهران، في المرحلة الراهنة، مصلحة في تجنّب إشراك حزب الله، كي لا تدفع إسرائيل إلى مواجهة أوسع. غير أنّ هذا الحذر، كما يوضح، قد لا يكون سوى إجراء مؤقت، ولا يشكّل بأي حال من الأحوال ضمانة لبقاء لبنان بعيدًا عن التصعيد على المدى الطويل.

وتدعم هذا الاحتمال عوامل متعدّدة. فقد خرج حزب الله أضعف من المواجهات الأخيرة مع إسرائيل. ودُمّر جزء كبير من بنيته العسكرية، وأصبح وضعه السياسيّ الداخليّ أكثر تقييدًا ممّا كان عليه في السابق، فيما تعلن الحكومة اللبنانية اليوم بوضوح نيتها إعادة تكريس احتكار الدولة تدريجيًّا لقرارات الحرب والسلم.

ومن جهتها، يبدو وكأنّ الإدارة الأميركية تعتبر استقرار لبنان هدفًا منفصلًا عن مواجهتها المباشرة مع إيران، كما يتضح من النقاشات المتعلقة بتعزيز قدرات الجيش اللبنانيّ، وتطبيق الاتفاق – الإطار بصورة تدريجية.

أمّا السيناريو الثاني، فيتمثّل في تقديم حزب الله دعمًا محدودًا لإيران. ومع ذلك، يؤكد ترانكان أنّ الميليشيا تحتفظ حتى الآن بقدرات عسكرية كافية للتدخل، إذا قررت طهران في نهاية المطاف تفعيل الجبهة اللبنانية. فإضعاف حزب الله، بحسب رأيه، لا يعني أنّه بات عاجزًا عن خوض مواجهة جديدة.

مع ذلك، قد يقتصر هذا التدخّل على دعم سياسيّ معزز، أو عمليات عسكرية محدودة، ما يسمح لإيران بإظهار قدرتها على تحريك شبكة حلفائها، الّتي تطلق عليها اسم “محور المقاومة”، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل.

أمّا السيناريو الأكثر إثارة للقلق، فيبقى توسّع الصراع إقليميًّا. ولا يستبعد ترانكان هذا الاحتمال، إذ يرى أنّ لبنان قد يُجرّ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى المواجهة بين واشنطن وطهران إذا تجاوز التصعيد عتبة جديدة. كما يذكّر بأنّ موقف إسرائيل يبقى عاملًا حاسمًا، إذ لا تزال تعتبر أنّ الحفاظ على مناطق أمنية في لبنان أمر ضروريّ، ما يزيد من تعقيد الوصول إلى تسوية دائمة.

وفي حال تصاعدت الخسائر الأميركية، أو قررت واشنطن استهداف هياكل القيادة الإيرانية بصورة أوسع، فقد تميل طهران إلى تفعيل شركائها الإقليميين كافة، بهدف تشتيت القدرات العسكرية الأميركية والإسرائيلية. حينئذٍ، قد يجد لبنان نفسه، من جديد، مسرحًا لحرب ليست حربه، بكلفة هائلة على حزب الله الضعيف أصلًا، وعلى قاعدته الشعبية، وقبل كل شيء على بلد أنهكته الأزمات.

مع ذلك، ستكشف الأيام المقبلة، في ضوء تطورات الردّ الإيرانيّ ونتائج اللقاء بين عون وترامب، ما إذا كان لبنان سينجح هذه المرة في الإفلات من المسار الّذي حوّله مرارًا إلى ساحة مواجهة للقوى الإقليمية، أم أنّه سيعود إلى فخ الحروب الّتي تُخاض في خارج حدوده.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us