لبنان أمام موعد مع التاريخ

ترجمة هنا لبنان 22 تموز, 2026

كتب Alain Hakim لـ”Ici Beyrouth“:

ثمة زيارات رسمية تندرج في إطار البروتوكول، وأخرى قد تشكل منعطفًا في تاريخ الأوطان. ولا شك أنّ زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن تنتمي إلى الفئة الثانية. ففي شرق أوسط يشهد إعادة تشكّل متسارعة، وتتبدل فيه موازين القوى الإقليمية على نحو عميق، قد يكون لبنان أمام فرصة لا يملك ترف إضاعتها.

على مدى سنوات، مرّ بلدنا بسلسلة من الأزمات، هزّت مصداقيته في الصميم. فالانهيار الماليّ، والشلل المؤسسيّ، والتوترات الأمنية، وهجرة مئات الآلاف من الشباب، رسّخت تدريجيًّا صورة لبنان بوصفه بلدًا محكومًا بأن يكتفيَ بتلقي تداعيات الأحداث بدلًا من التأثير في مسارها. غير أنّ التاريخ يعلّمنا أنّ الأمم لا تنهض بمواردها الاقتصادية وحدها، بل عندما تحسن اغتنام اللحظات الفاصلة الّتي تتيح لها التحولات الجيوسياسية فرصة لإعادة رسم مسارها.

وتندرج زيارة عون إلى واشنطن في هذا السياق تحديدًا. فلا يجوز النظر إليها على أنّها مجرد لقاء دبلوماسيّ، بل يتعين اعتبارها محاولة لإعادة لبنان إلى صلب النقاشات الاستراتيجية المتعلقة بمستقبل المشرق. فاستقبال الرئيس اللبنانيّ في واشنطن لا يعني منحه حضورًا على الساحة الدولية فحسب، بل يعني أيضًا أنّ لبنان عاد ليصبح شريكًا يُنظر إلى استقراره بوصفه ركيزة من ركائز الاستقرار الإقليميّ.

وتكتسب هذه المكانة أهمية حاسمة. فلا يمكن أن تأمل أي دولة في استقطاب الاستثمارات، أو الحصول على دعم مستدام من المؤسسات المالية الدولية، أو استعادة ثقة الأسواق، إذا بقيت في خارج معادلات التوازن الدبلوماسيّ الكبرى. ومن ثم، تمثل عودة لبنان إلى الساحة الدولية شرطًا أساسيًّا لانطلاق مسار التعافي الاقتصاديّ.

وقد تكون لهذه الزيارة انعكاسات واسعة. فمن شأن توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة وشركائها أن يفتح الباب أمام استثمارات جديدة، ويُسرّع مشاريع إعادة الإعمار، ويدعم الإصلاحات الاقتصادية، ويشجع الشركات الدولية على العودة إلى بلد لا يزال يحتفظ بمقومات استثنائية: موقع جغرافيّ فريد، وجالية واسعة النفوذ، ورأسمال بشريّ متميز، وإمكانات واعدة في قطاع الطاقة لم تُستثمر بعد على النحو الأمثل.

غير أنّ اختزال هذه الزيارة في بعدها الاقتصاديّ فحسب سيكون خاطئًا، لأنّ رهانها الحقيقيّ هو رهان استراتيجيّ. إذ يعيش لبنان، منذ عشرات السنين، في ظل حالة من عدم الاستقرار تكاد تكون دائمة. وكل تصعيد في الجنوب يذكّر بأنّ مستقبل البلاد يبقى، إلى حد كبير، رهينة قرارات تتجاوز في كثير من الأحيان مؤسساتها الوطنية. وهذه الحقيقة تفرض كلفة باهظة؛ فهي تعرقل الاستثمارات، وتثبط عزيمة رواد الأعمال، وتدفع الشباب إلى الهجرة، وتمنع أي تخطيط بعيد المدى.

لهذا، يمثل ترسيخ استقرار مستدام على الحدود مع إسرائيل، على الأرجح، هدفًا من أهداف هذه الدينامية الدبلوماسية الجديدة المحورية. فمصطلح “السلام” لا يزال يثير في لبنان نقاشات عميقة ومشحونة، لما يحمله من إرث تاريخيّ، وانفعالات، وجراح لم تندمل. غير أنّ تجاوز جدل المصطلحات يقتضي أن يكون السعي إلى أمن دائم هو المنطلق الأساسيّ لأي مقاربة واقعية.

فالسلام ليس مكافأة تُمنح لهذا الطرف أو ذاك، بل هو، قبل كل شيء، وسيلة لخدمة المصالح الوطنية. وهو يعني، بالنسبة إلى لبنان، وضع حد لحالة عدم اليقين المستمرة الّتي كبّلت مسار تنميته لعقود. كما سيتيح للدولة توجيه مواردها نحو المدارس، والمستشفيات، والبنى التحتية، والابتكار، وتحفيز النمو، بدلًا من استنزافها في إدارة أزمات أمنية متكررة.

ولا يعني ذلك تجاهل الخلافات العميقة الّتي لا تزال قائمة مع إسرائيل، ولا التقليل من حساسية هذا الملف في الوجدان العام اللبنانيّ. بل يعني الإقرار بأنّ المهمة الأولى لأي دولة مسؤولة هي حماية مواطنيها، وضمان أمنهم، وتهيئة الظروف الّتي تسمح لهم ببناء مستقبل مزدهر. وإذا كان تحقيق استقرار دائم على الحدود الجنوبية يساهم في بلوغ هذه الأهداف، فإنّه يستحق أن يُبحث بعقلانية وواقعية، بعيدًا عن الأحكام الأيديولوجية المسبقة.

وفي العلاقات الدولية، لا تبني الدول تحالفاتها على أساس المشاعر، بل على قاعدة المصالح. فالولايات المتحدة تسعى إلى تجنب اندلاع حرب إقليمية جديدة، وإسرائيل تريد تأمين حدودها الشمالية على نحو دائم، والدول العربية تطمح إلى شرق أوسط أكثر استقرارًا. أمّا لبنان، فلا يطلب أكثر من استعادة حياة طبيعية، وإعادة بناء اقتصاده، ومنح شبابه فرصة للبقاء والأمل. وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لا تبدو هذه المصالح متناقضة؛ بل يمكن أن تتقاطع وتتدعم فيما بينها.

ويبقى السؤال الأساسيّ: هل سيتمكن لبنان من تحويل هذا التقارب في المصالح إلى مكسب استراتيجيّ؟ فقد آن الأوان لهذا البلد، الّذي شكل على مدى عقود ساحة تُدار فوقها صراعات الآخرين وتُصفّى فيها حساباتهم، أن يتوقف عن كونه مجرد أرض للمواجهة، وأن يعود دولةً فاعلة تدافع عن مصالحها الوطنية، مستندة إلى رؤية واضحة لمستقبلها.

كما يمكن أن تسهم زيارة عون في تعزيز فكرة جوهرية: بناء دولة لبنانية كاملة السيادة، قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، واتخاذ القرارات الّتي ترسم مستقبلها بصورة مستقلة. فالسيادة ليست شعارًا يُرفع، بل حقيقة تُقاس بقدرة الدولة على ضبط حدودها، وحماية مواطنيها، والتحدث بصوت واحد عندما يتعلق الأمر بالحرب، أو السلام، أو السياسة الخارجية.

ونادرًا ما يمنح التاريخ الأمم فرصًا كثيرة لتغيير مسارها. والفرصة الّتي تتاح للبنان اليوم تستحق أن تُغتنم بشجاعة، ولكن أيضًا بحكمة وواقعية. فالوطنية الحقيقية لا تتمثل في التشبث بمآزق الماضي، بل في امتلاك الجرأة على بناء المستقبل. وإذا أسهمت هذه الزيارة في إعادة لبنان إلى موقعه الطبيعيّ في منظومة الدول، وتعزيز مؤسساته، واستعادة ثقة شركائه، وفتح الطريق أمام استقرار دائم، فستكون قد تجاوزت حدود الإنجاز الدبلوماسيّ؛ لتصبح نقطة انطلاق لفصل جديد من الطموح الوطنيّ.

ليس الرهان الحقيقيّ في ما سيُقال في صالونات البيت الأبيض، بل في ما سيختار لبنان أن يفعله بهذه الفرصة. فالدول الّتي تصنع تاريخها هي تلك الّتي تعرف كيفية اغتنام اللحظات الّتي يمد فيها التاريخ يده إليها. واليوم، تقع على لبنان مسؤولية إثبات قدرته على اغتنام هذه اللحظة، وهو المسار الّذي يسعى جوزاف عون إلى ترسيخه.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us