متى تُكتب نهاية حرب؟

ترجمة هنا لبنان 22 تموز, 2026

كتبت Anna Illing لـ”Ici Beyrouth“:

وقّع لبنان وإسرائيل في السادس والعشرين من حزيران اتفاقًا إطاريًّا بهدف التوصل إلى “سلام دائم”. وعقد البلدان، في الرابع عشر والخامس عشر من تموز، جولة المباحثات السادسة في روما. مع ذلك، لا يزال من المبكّر جدًّا الحديث عن نهاية الحرب.

فمنذ توقيع هذا الاتفاق الإطاري، استمرّت الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وإن تراجعت حدّتها. كما واصلت الطائرات المُسيّرة الإسرائيلية تحليقها فوق بيروت وضاحيتها الجنوبية.
وبالمثل، وقّعت الولايات المتحدة وإيران في السابع عشر من حزيران بروتوكول تفاهم بهدف إنهاء النزاع الذي اندلع في الثامن والعشرين من شباط. غير أنّ تصعيدًا جديدًا يجري منذ السابع من تموز، مع تمدّد الضربات إلى دول الخليج والأردن.

وعندما سأل صحافيون دونالد ترامب، في الثالث من تموز، عن تعريفه لوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، أجاب: “نتكلم هنا عن منطقة أخرى من العالم، كما تعلمون. أود القول إنّ وقف إطلاق النار في هذه المنطقة يعني أن تخف حدّة إطلاق النار”.

ثمّة حقيقة واحدة أكيدة: لا تشير دائمًا مصطلحات “الحرب”، و”السلام”، و”النصر”، و”الهزيمة”، إلى الوقائع نفسها.

بين الماضي والحاضر

عمومًا، كي تنتهي حرب ما، يتعيّن أن يتقبّل أحد أطرافها الهزيمة، لسببٍ من اثنين: “إمّا لأنّ قدراته العسكرية تراجعت أو تقلّصت، أو بسبب إرادة سياسية لوضع حد للحرب”، كما يوضح أوليفييه باسو، الباحث المشارك في معهد الأبحاث الاستراتيجية التابع للمدرسة العسكرية (IRSEM)، ومؤسسة إدارة القضايا الاستراتيجية (FMES)، والرئيس السابق لقسم الارتباط في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).

غير أنّ هذا القبول يرتبط أيضًا بقدرة أطراف النزاع على مواصلة “تنفيذ العمليات، وممارسة سلطتها على سكانها”، يوضح باسو، قبل أن يستشهد بمثال تاريخي: “في عام 1918، هُزمت القوات المسلّحة الألمانية، لكنّ الأراضي الألمانية لم تُحتلّ. وشعر الشعب الألماني بأنّه لم يخسر الحرب، ما غذّى روح الانتقام وأسهم في اندلاع الحرب العالمية الثانية. أمّا في عام 1945، فقد غزا الحلفاء والسوفيات ألمانيا واحتلّوا برلين. عندها قبلت ألمانيا بالاستسلام”.

مع ذلك، يبقى ثمّة اختلاف جوهري بين حروب الماضي وحروب اليوم. ففي السّابق، دارت المواجهات أساسًا بين جيشين، وانتهى الأمر بأحدهما إلى الهزيمة. ويوضح فرانسوا شوفانسي، الخبير في الاستراتيجية والدفاع، والمستشار في الجغرافيا السياسية، والممثل السابق لفرنسا لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ورئيس تحرير مجلة الدفاع التابعة للمعهد العالي للدراسات الدفاعية الوطنية (IHEDN): “في كثير من الأحيان، اضطرت حكومة ذلك الجيش إلى التفاوض، لعدم وجود أي خيار آخر”.

أمّا اليوم، فلم تعد النزاعات تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل أصبحت تشمل أيضًا العمليات الإرهابية، وحروب العصابات، والحروب الاقتصادية، والهجمات السيبرانية. وهذا يعني أنّ “الجيش المهزوم لم يعد بالضرورة مضطرًّا إلى التفاوض، إذ يتيح له سياق دولي كامل مواصلة الحرب بأشكال أخرى”، يضيف شوفانسي.

ولهذا التحوّل نتيجة أساسية: فعندما لا تصمد اتفاقات وقف إطلاق النار، تكون الطريقة الوحيدة لفرض المفاوضات، نظريًّا، هي “سحق الطرف الآخر بحيث لا يعود أمامه خيار”، كما كان يحدث في الماضي. لكنّ شوفانسي يرى أنّ مثل هذا السيناريو “لم يعد ممكنًا في الحروب الحديثة”.

إيران: حلم النهاية

“بأي حال، من اعتقد بأنّ وقف إطلاق النار سيصمد؟ لم يكن ليصدق ذلك سوى الحالمين”، يقول شوفانسي.

ويرى دومينيك ترينكان، الجنرال المتقاعد والخبير في العلاقات الدولية، أنّ السبب الأساسي وراء استئناف القصف على الجبهة الإيرانية يكمن في سوء فهم جوهري: “ثمّة عدم تطابق في نسختَيْ الاتفاق”. ويعزو هذا التباين، خصوصًا، إلى عامل اللغة، إذ تحمل الفارسية إيحاءاتٍ ودلالاتٍ دقيقةً لا يتقنها الأميركيّون.

ومثّلت لحظة توقيع الاتفاق “فرصةً للخروج من الحرب بالنسبة إلى الطرفين؛ غير أنّ شروط وقف القتال اختلفت لدى الجانبين”، يقول ترينكان، قبل أن يضيف أنّ الأمر لم يكن نابعًا من رغبة حقيقية في التوصّل إلى اتفاق، بقدر ما كان استجابة لحاجة مرحلية إلى تعليق القتال.

ويشرح شوفانسي: “شغلت دونالد ترامب أمور أخرى. فقد كان يستعد لاحتفالات الرابع من تموز، واحتاج وقتًا للتفرغ لشؤونه الخاصة. لذلك وافق على وقف إطلاق النار، على الرغم من استمرار المناوشات”.

ويرى ترينكان أنّ هذا الوضع أتاح لإيران “إدخال الولايات المتحدة في مأزق يصعب عليها الخروج منه”.

وفي السابع من أيار الماضي، عرض الجنرال أوليفييه باسو ثلاثة سيناريوهات محتملة: فرض الأمر بالقوّة والإكراه، أو إخضاع الطرف الآخر عبر الاستنزاف والخنق، أو تجميد النزاع. وبعد شهرَيْن، يرى أنّ السيناريو الثالث أصبح الأكثر ترجيحًا، “لأنّ الطرفيْن يحتاجان إلى الانتقال إلى مرحلة أخرى، إنّما يعجز أي طرف عن تقديم تنازل رسمي، فعليًّا”. وبحسب الأخير، هذا هو تحديدًا ما يفسر لماذا تبقى نهاية الحرب، في هذه المرحلة، غير قابلة للتحقق.

مستقبل لبنان

أمّا في ما يتعلّق بالوضع في لبنان، فتتباين آراء الخبراء الثلاثة الذين جرى استطلاع رأيهم. غير أنّهم يطرحون أسبابًا متعددةً تفسّر لماذا لم ينتهِ النزاع حتى الآن.

يركز ترينكان أولًا على دور حزب الله، قائلًا: “حزب الله لن يتراجع. فهو لا يزال متمسّكًا بالموقف عينه؛ يقاوم ويصمد”.

وبحسب رأيه، يفترض إنهاء الحرب نزع سلاح الحزب، وهي عملية “ستستغرق وقتًا”. وفي المقابل، “يتعيّن أن تدرك إسرائيل أنّ تحقيق هدفها لا يمرّ عبر معارضة الحكومة اللبنانية، بل عبر مرافقتها ودعمها”، يضيف ترينكان.

أمّا شوفانسي، فيرى أنّ الوصول إلى نهاية النزاع يبقى بعيدًا، على الرغم من المفاوضات الجارية. ويعتقد أنّ الأخيرة لن تتمكّن من “التوصّل إلى نتيجة دائمة. فقد تتيح ربما بضعة أسابيع من الهدوء، وربما بضعة أشهر، لكنّنا في النهاية سنعود إلى الوضع السابق. وعندما يعيد حزب الله بناء قدراته، وتنظيم صفوفه، سيستأنف نشاطه”.”.

من جهته، يركّز باسو على إسرائيل. ويرى أنّ الدولة العبرية ستسعى إلى الإبقاء على وجود طويل الأمد في جنوب لبنان، إلى أن “يتمكّن الإسرائيليون من إقامة نظام يسمح لهم بإدارة منطقة عازلة عن بُعد، عبر الطائرات المُسيّرة، وقدرات المراقبة، ووسائل الضربات بعيدة المدى، التي ستكون على الأرجح آلية، إضافة إلى مناطق مزروعة بالألغام”.

ماذا يعني السلام؟

يقول شوفانسي: “عندما يخوض المرء حربًا، يكون هدفه الانتصار. وإلّا، فلا معنى لخوض الحرب”. ويُضيف: “ما هو السلام؟ في هذا السياق، السلام هو التوصّل إلى اتفاق؛ أي القبول بتقديم تنازلات حول بعض النقاط”.

ويشرح ترينكان أنّ اتفاقات وقف إطلاق النار تفشل بصورة متكرّرة لأنّ “المذكرات أو الاتفاقات التي تهدف إلى فتح مفاوضات لا تصل إلى نتائج”. وإذا فشلت هذه المفاوضات، فلأنّ الوصول إلى معاهدة سلام يتطلّب “ثقةً متبادلةً واحترامًا”. إنّما، وفي ظل غياب هذه الثقة، “نحصل على سلام تحت المراقبة، وسلام مسلّح. وعند أول فرصة، تُستأنف الأعمال العدائية”، كما يخلص شوفانسي.

ويبقى السؤال الأساسي: هل يمكن بناء ثقة دائمة، بينما يستمرّ التفكير بمنطق المنتصرين والمهزومين في حروب الماضي؟

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us