المملكة العربية السعودية: مكاسب وخسارات الانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام” المحتملة

ترجمة هنا لبنان 25 تموز, 2026

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

عاد احتمال انضمام المملكة العربية السعودية إلى “اتفاقيات أبراهام” إلى واجهة الأحداث في الثالث والعشرين من تموز 2026، بعدما أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أنّ اتفاق التعاون النوويّ المدنيّ المبرم مع الرياض سيصبح مشروطًا بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. وأوضح ترامب، عبر منصة “تروث سوشيال”، أنّ هذا الاتفاق “مشروط بالكامل بانضمام المملكة العربية السعودية إلى اتفاقيات أبراهام المحترمة والناجحة إلى حد كبير”.

من جهتها، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أنّ الاتفاق سيصبح “لاغيًا” ما لم تُطبّع الرياض علاقاتها مع إسرائيل. ويُعيد هذا الإعلان فتح ملف بالغ الحساسية من الناحية السياسية، جعلته الحرب في غزة أكثر تعقيدًا وانفجارًا، فيما قد تتجاوز تداعيات أي انضمام سعوديّ محتمل نطاق العلاقات الثنائية لتطال موازين إقليمية ودولية أوسع.

مكاسب اقتصادية كبيرة… لكنّها مشروطة

على الصعيد الاقتصاديّ، تعكس التقديرات الرقمية المتداولة في الصحافة الإسرائيلية حجم الرهانات المرتبطة بالتطبيع السعوديّ الإسرائيليّ. ووفق تقديرات نقلتها صحيفة “جيروزاليم بوست”، يمكن أن يؤديَ هذا التطبيع إلى توليد نشاط اقتصاديّ تراكميّ بقيمة نحو 250 مليار دولار في خلال عشر سنوات، مع توقعات بارتفاع النمو الاقتصاديّ بنسبة 7% في السعودية و13% في إسرائيل.

بالنسبة إلى الرياض، تتمثّل قيمة هذه الخطوة الأساسية في دعم أهداف “رؤية 2030” الّتي يقودها وليّ العهد محمد بن سلمان، وتهدف إلى تنويع الاقتصاد السعوديّ وتقليص الاعتماد على قطاع النفط. ومن شأن التعاون مع إسرائيل في مجالات الأمن السيبرانيّ، وإدارة المياه، والذكاء الاصطناعيّ، والطاقة المتجددة، أن يسهم في تسريع هذا التحول، وتعزيز مكانة المملكة ضمن الممرات التجارية الصاعدة، لا سيّما الممر الاقتصاديّ بين الهند، والشرق الأوسط، وأوروبا.

كما يمكن أن يسمح موقع المملكة الجغرافيّ عند ملتقى آسيا وأفريقيا وأوروبا، بتحويلها إلى مركز لوجستيّ أساسيّ، في حال توسعت الروابط الجوية والتجارية مع إسرائيل.

مع ذلك، تستدعي تجارب الدول الّتي سبقت السعودية إلى اتفاقيات أبراهام الحذر في سرعة ترجمة هذه الوعود إلى نتائج ملموسة. فالتجارة الثنائية بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، الّتي غالبًا ما تُذكر كنموذج نجاح، ارتفعت من بضعة عشرات الملايين من الدولارات قبل عام 2020 إلى نحو 3 مليارات دولار في عام 2023. وعلى الرغم من أنّ هذا التطور يمثل نموًّا حقيقيًّا، يبقى أقل بكثير ممّا رافق توقيع الاتفاق من توقعات تفاؤلًا.

أمّا البحرين، فلم يتعدَّ حجم تجارتها الثنائية مع إسرائيل 11.5 مليون دولار في عام 2023. بمعنى آخر، قد يتغير حجم الظاهرة بشكل جذريّ بفضل ضخامة الاقتصاد السعوديّ، ودور المملكة كأكبر منتج للنفط في العالم، لكنّهما لا يضمنان بالضرورة حدوث تحول اقتصاديّ سريع أو واسع النطاق.

ويجسّد الملف النوويّ، بدوره، طابع هذه المفاوضات التبادليّ. فالاتفاق المطروح مع واشنطن يستبعد أي تخصيب لليورانيوم على الأراضي السعودية، في حين يربط البيت الأبيض صراحةً التعاون النوويّ المدنيّ بالتطبيع مع إسرائيل.

عقبة سياسية لم تُرفع بعد

على الصعيد الجيوسياسيّ، تبقى القضية الفلسطينية العائق الأساسيّ أمام أي تقدم نحو التطبيع. فقد أكد وزير الخارجية السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان هذا الموقف مرارًا، وأوضح أنّ تطبيع العلاقات مع إسرائيل “ليس مطروحًا” ما لم يجرِ التوصل إلى مسار يقود إلى إقامة دولة فلسطينية. وأضاف أنّ أمن المنطقة بأسرها سيبقى عرضةً للخطر ما لم تُضمن حقوق الفلسطينيين.

كما نقلت شبكة “سي إن إن” في حزيران الماضي عن مصدر سعوديّ أنّ مسار التطبيع مشروط بإحراز تقدم حقيقيّ وموثوق نحو قيام دولة فلسطينية. ووفق المصدر عينه، أبلغ وليّ العهد السعوديّ محمد بن سلمان الرئيس ترامب بأنّ الرياض ترغب في الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، لكنّها تشترط تحديد مسار واضح نحو حل الدولتيْن.

غير أنّ هذا الشرط السعوديّ يصطدم بالموقف الإسرائيليّ الرسميّ الّذي يتسم بالتشدد. فالحكومة الإسرائيلية تستبعد بصورة قاطعة أي احتمال لإقامة دولة فلسطينية، ما يترك هامش المناورة شبه معدوم: فإمّا أن يتحقق تقدم ملموس وذو مصداقية في الملف الفلسطينيّ، أو يتعذّر التطبيع السعوديّ – الإسرائيليّ.

إضافةً إلى ذلك، يشير “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” إلى أنّ التصرفات الإسرائيلية في غزّة ولبنان وسوريا أسهمت في ترسيخ سردية تعتبر، بحسب الرأي العام العربيّ، أنّ إسرائيل تشكل عاملًا أساسيًّا في زعزعة الاستقرار الإقليميّ، أكثر ممّا تفعله إيران.

واقعية سياسية سعودية تتجه نحو تعدد الأقطاب

بعيدًا عن الملف الفلسطينيّ، عملت المملكة العربية السعودية، منذ الحرب مع إيران عام 2026، على تنويع شراكاتها الاستراتيجية بدلًا من الانخراط في مسار تقارب مباشر مع إسرائيل. ويشير “المعهد اليهوديّ للأمن القوميّ الأميركيّ” (JINSA) إلى أنّ الأمير فيصل بن فرحان جمع في الرياض، منذ آذار، المجموعة الرباعية المعروفة باسم (4-R)، الّتي تضم المملكة العربية السعودية، وباكستان، وتركيا، ومصر، وعقدت ثلاثة اجتماعات وزارية خلال واحد وثلاثين يومًا.

وتعكس هذه البنية الإقليمية، إلى جانب اتفاقية الدفاع الموقعة مع باكستان في كانون الأول 2025، توجّهًا سعوديًّا نحو بناء ترتيبات وضمانات أمنية بديلة، من دون الارتهان بشكل حصريّ لتقارب مع إسرائيل أو للاعتماد على الولايات المتحدة.

كما يرى “معهد دراسات الأمن القوميّ الإسرائيليّ” أنّ إيران وحلفاءها، وفي مقدمتهم حزب الله، يعتبرون أي تطبيع سعوديّ – إسرائيليّ تعزيزًا للمحور السنيّ – الغربيّ، بما قد يحد من هامش تحركهم في مواجهة إسرائيل. وفي المقابل، تتابع روسيا والصين تطورات هذا الملف ضمن إطار التنافس الأوسع مع النفوذ الغربيّ في الشرق الأوسط.

وبذلك، يبقى انضمام المملكة العربية السعودية إلى اتفاقيات أبراهام معلّقًا على معادلة شديدة التعقيد، تجمع بين مكاسب اقتصادية محتملة وواسعة تشمل تنويع الاقتصاد، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير الممرات التجارية، وبين كلفة سياسية داخلية وإقليمية مرتبطة بالقضية الفلسطينية.

وطالما تتمسّك الرياض وتل أبيب بمواقف متباعدة بشأن إقامة دولة فلسطينية، سيبقى التطبيع السعوديّ – الإسرائيليّ احتمالًا قائمًا وهدفًا معلنًا، لكنّه لن يصبح واقعًا نهائيًّا.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us