إقرار موازنة 2026: سجالاتٌ سياسيّةٌ وخرقٌ دستوريٌّ وحقوقٌ مؤجَّلة!

لبنان 30 كانون الثاني, 2026

صادق مجلس النواب مساء أمس الخميس على مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2026 بأكثرية 59 صوتًا، مقابل 34 معارضًا و11 ممتنعًا عن التصويت، بعد ثلاثة أيام من جلسات مكثفة، طغى عليها السجال السياسي والخطابات الإنشائية أكثر مما حضرت فيها المقاربة المالية والدستورية الجدية.

وبهذا الإقرار، تُضاف موازنة جديدة إلى سلسلة موازنات أُقِرّت في لبنان خارج الأصول الدستورية، ومن دون معالجة جوهرية للأزمات البنيوية التي تضرب البلد منذ سنوات، واختارت وزارة المال ألّا تضع أرقامًا صادقة، وسياسات قابلة للحياة لضمان حدّ أدنى من العدالة الاجتماعية، وأطلّت بموازنة مفصولة عن الواقع، وهناك فئات متضرّرة أكثر من أخرى.

مسار الجلسات

أما داخل المجلس، تناوب أكثر من نصف النواب على الكلام، إلّا أنّ معظم المداخلات خلت من أي نقاش فعلي للأرقام، أو مساءلة حقيقية لخيارات الحكومة الضريبية والإنفاقية. قلّة من النوّاب عرضوا معطيات دقيقة أو اقترحوا بدائل قابلة للتنفيذ، لكن هذه المحاولات بقيت معزولة، ولم تنعكس تعديلًا جوهريًا في مشروع الموازنة.

في النتيجة، أُقرت موازنة 2026 بعللها، وإن كانت أقل حدة من سابقاتها، لا نتيجة إصلاح فعلي، بل بفعل ضيق الخيارات المالية للدولة.

ياسين جابر… إدارة أزمة لا سياسة مالية

في المقابل، برز وزير المال ياسين جابر كمدير أزمة يكتفي بتدوير الزوايا وتأجيل الاستحقاقات والتنصّل من المسؤوليات الجوهرية ، لا كحارس للمالية العامة.

ورغم حديثه المتكرر عن قروض طويلة الأمد، ورضا البنك الدولي، والشراكات مع القطاع الخاص، والتحوّل نحو الذكاء الاصطناعي، غاب عن مقاربة الوزير أي تصور واضح لكيفية حماية الفئات الأكثر تضررًا من الانهيار، وفي طليعتها العسكريون المتقاعدون، وعائلات الشهداء والجرحى، وموظفو الإدارة العامة الذين تآكلت رواتبهم إلى حدود غير إنسانية. فالإقرار النظري بأحقية المطالب لا يُترجم سياسات عادلة، والفوائض “المبدئية” لا تعني شيئًا في ظل غياب العدالة في توزيع الأعباء، واستمرار تحميل الكلفة لمن لم يعودوا يملكون هامش تحمّل إضافي.

ولفت جابر في رده على مداخلات النواب خلال الجلسة، إلى “أننا لم نبنِ سياستنا الاستثمارية على القروض وحدها، إذ ندرك أن التمويل الفعّال والمثمر يقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص”.

تحرّكات رافضة للموازنة

هذا وعمّت عدداً من طرق لبنان اعتصامات من قبل العسكريين المتقاعدين كما نظّم الأساتذة اعتصامات، كما تكلّم النائب السابق شامل روكز من أمام مجلس النواب أثناء الجلسة وأبدى اعتراضه على الموازنة.

وفي الإطار، قال العميد المتقاعد جورج نادر لموقع “هنا لبنان” إنّ تحرّك العسكريين المتقاعدين لم يكن وليد لحظة أو نتيجة انفعال، بل جاء بعد مسار طويل من الانتظار والمسؤولية، مؤكداً أنّ الرابطة تعاملت مع الحكومة الجديدة منذ البداية بمنطق الدولة والمؤسسات.

وأضاف: “اجتمعنا مع رئيس الحكومة وقدّمنا له مشروع قانون واقعي ومدروس، أعدّه ضباط مجازون في الحقوق وضباط إدارة مختصون في إدارة الأعمال. المشروع نصّ بوضوح على البدء، اعتباراً من أيار 2024، بتقاضي ما لا يقل عن 50% من قيمة الرواتب التي كنا نتقاضاها قبل الأزمة المالية عام 2019، على أن تُزاد هذه النسبة 10% كل ستة أشهر وصولاً إلى استعادة 100% من الراتب السابق بنهاية عام 2028”.

وأشار إلى أنّ رئيس الحكومة أبدى حينها تفهّماً واعتبر المطالب محقّة ومنطقية، “لكن للأسف بقيت الوعود حتى اليوم حبراً على ورق”.

من التحرّك في الميدان إلى القانون، خرق “المشرّعون” القانون، اذ وفق ما ورد بجريدة النهار، خلت معظم مداخلات النواب من مقاربة الحيثية القانونية والدستورية في اتباع أصول إقرار الموازنات بعد قطع حساب الموازنة السابقة، الأمر الذي لم يحصل منذ عقود!

خرق قانوني واضح

ويكتسب قطع الحساب أهميته لأنه لا يتيح تحقيق الشفافية فحسب، وإنما يبين النتائج المالية المحققة ومدى التزام الحكومات ما اقترحته. وفي هذا المجال، يقول المجلس الدستوري في أكثر من قرار له، ولا سيما القرار الرقم 2 الصادر عام 2018 إن غياب قطع الحساب “يؤدي إلى غياب الشفافية في جباية المال العام وإنفاقه، وإلى التشكيك في صدقية الموازنة العامة وتنفيذها، كما يؤدي إلى فتح الباب واسعا أمام تفشي الفساد”، ما يستوجب من الناحية الدستورية تزامن إصدار الموازنة مع إصدار قانون قطع الحساب كي يكتمل الانتظام المالي لمؤسسات الدولة.

موازنة 2026 بالأرقام

ومن جهته اعتبر الباحث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، محمد فحيلي، أنّ جلسة مساء 29 كانون الثاني لم تشكّل خاتمة طبيعية لمسار إقرار موازنة 2026، بل كانت دليلاً إضافياً على أزمة عميقة في مفهوم الموازنة العامة ودورها.

ويؤكد فحيلي أن موازنة 2026، كما عُدّلت في لجنة المال والموازنة، تعكس انفصالاً واضحاً بين الأرقام والواقع. فالمشروع يحدّد اعتمادات بقيمة 538,415,617,000,000 ليرة لبنانية، ويقدّر الإيرادات بالقيمة نفسها تماماً، مع تصفير الواردات الاستثنائية، في محاولة لإظهار موازنة “متوازنة”. لكن هذا التوازن، وفق فحيلي، هو توازن محاسبي وهمي لا يعكس توازناً مالياً فعلياً

الحقوق محقّة… لكن الحسابات واجبة

وفي هذا الصدد قالت أوساط سياسية لصحيفة “الجمهورية” تعليقًا على ما جرى داخل المجلس النيابي وخارجه، إن العسكريين المتقاعدين والأساتذة وموظفي الإدارة العامة محقّون بالكامل في مطالبتهم بتصحيح رواتبهم الهزيلة، التي لم تعد تليق بعطاءاتهم ولا بحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، مؤكدة أن الدولة معنيّة في المقابل بأن تكون حساباتها دقيقة وقراراتها مدروسة، تفاديًا لاتخاذ إجراءات متسرّعة تحت تأثير الشعبوية والمزايدات.

وحذّرت هذه الأوساط من تكرار تجربة سلسلة الرتب والرواتب التي أُقرت قبل سنوات من دون تأمين مصادر تمويل مستدامة، وما خلّفته من تداعيات وخيمة على الوضعين المالي والاقتصادي. ولفتت إلى أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة لا يكمن في الاعتراف بأحقية المطالب فحسب، بل في إيجاد مصادر التمويل الضرورية لتأمين حقوق موظفي القطاع العام، متقاعدين وعاملين، من دون الإخلال بتوازن المالية العامة، مشيرة إلى وجود مكامن هدر وفساد واسعة لا تزال مفتوحة، ويمكن سدّها والاستفادة من عائداتها لإعطاء الحقوق المشروعة لأصحابها بدل تحميل الكلفة مجددًا للفئات نفسها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us