طرابلس تدفع ثمن الإهمال… انهيار مبنى سكني يحصد أرواح 14 شخصاً!

هزّت فاجعة إنسانية مدينة طرابلس، بعد ظهر أمس، مع انهيار مبنى سكني في منطقة باب التبانة، ما أدّى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا والجرحى. الكارثة أعادت إلى الواجهة ملف الأبنية الآيلة للسقوط، وسط غضب شعبي واسع ومطالبات بمحاسبة المسؤولين عن سنوات من الإهمال المزمن.
وفي التفاصيل، المبنى المؤلف من 12 شقة سكنية كان يضمّ عائلات من مناطق عدة، بينها المنية وجبل محسن، إضافة إلى عمال سوريين وأصحاب بسطات.
وقد أُفيد بإنقاذ 8 أشخاص حتّى الساعة، وسط جهود متواصلة لفرق الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني، التي رفعت الأنقاض يدويًّا في سباقٍ مع الوقت.
غير أنّ الفاجعة لم تتوقّف عند هذا الحدّ، إذ بلغ عدد الضحايا 14 حتى الآن، بينهم نبيل الصايغ وطفله محمد (3 أعوام) وزوجته ناريمان البب، إضافةً إلى كامل الكردي وزوجته، فيما لا تزال عمليات البحث متواصلة عن مفقودين تحت الركام.
وأُخرج العسكري المتقاعد في الجيش اللبناني سيف الدين الصيداوي حيًّا من تحت الأنقاض بعد ساعات طويلة من البحث، قبل أن يفارق الحياة لاحقًا في المستشفى متأثرًا بإصاباته.
وأكد مدير عام الدفاع المدني عماد خريش ارتفاع عدد الضحايا إلى 14، مشيرًا إلى استمرار عمليات رفع الأنقاض يدويًّا.
كما أفيد بأن الدفاع المدني يحتاج إلى 120 مترًا من كابل كهربائي يتحمّل 30 أمبيرًا، إضافة إلى 60 تنكة بنزين لاستكمال عمليات الإنقاذ.
وأعلن الصليب الأحمر اللبناني استنفار فرقه الطبية وإدارة الكوارث ومركز نقل الدم، فيما دفعت شبيبة كاريتاس لبنان بأكثر من 50 متطوعًا إلى الموقع دعمًا لعمليات البحث والإغاثة.
في موازاة ذلك، تقرّر إخلاء الأبنية المجاورة بعد ظهور تصدّعات فيها جرّاء الانهيار، حفاظًا على سلامة السكان، فيما انتشر الجيش اللبناني لإبعاد الأهالي عن الموقع وتأمين محيطه، كما طلبت قوى الأمن إخلاء الطرق لتسهيل عمل فرق الإنقاذ.
وتعليقًا على الحادثة، أعلن رئيس بلدية طرابلس المدينة بأنّها “منكوبة في ملف الأبنية الآيلة للسقوط”، مؤكدًا أن آلاف المباني مهدّدة بسبب الإهمال، وأن “كل نقطة دم تسقط هي برقبة الدولة”.
على المستوى الرسمي، تابع رئيس الجمهورية جوزاف عون التطورات مع وزير الداخلية أحمد الحجار، طالبًا استنفار الأجهزة وتأمين الإيواء للسكان.
ودعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى اعتبار ملف الأبنية الآيلة للسقوط في طرابلس قضية وطنية بامتياز، فيما طالب النائب فيصل كرامي باستقالة الحكومة، وشدّد رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي على ضرورة إلزام أصحاب المباني بترميمها أو تخصيص اعتمادات من الخزينة لدعمها. كما حضّ النائب رائد برو السلطات على إجراء مسح شامل للأبنية المهدّدة.
وتقدّم رئيس مجلس الوزراء نواف سلام “بأصدق التعازي إلى أهالي ومحبي ضحايا الكارثة الأليمة التي حلت بطرابلس”، متمنيًا للجرحى الشفاء العاجل.
وفي بيان، رفض سلام توظيف هذه الكارثة سياسيًّا، وقال: “أمام حجم هذه الكارثة الإنسانية التي هي نتيجة سنوات طويلة من الإهمال المتراكم، واحترامًا لأرواح الضحايا، فإنّني أهيب بكل العاملين في السياسة، في طرابلس أو خارجها، أن يترفّعوا عن محاولات توظيف هذه الكارثة المروّعة لجني مكاسب سياسية رخيصة وآنية. فهذا أمر معيب. وأنا وحكومتي لم ولن نتهرّب من المسؤولية، وسوف نستمر بالقيام بواجباتنا كاملة بما فيها محاسبة مَن قد يكون مقصّرًا في هذه القضية”.
وأعلن سلام أنه فور إبلاغه “بهذه الفاجعة الجديدة طلبت من رئيس الهيئة العليا للإغاثة، الذي كان يرافقني في جولتي الجنوبية، أن يتوجه مباشرةً من النبطية إلى طرابلس لتنسيق أعمال الإغاثة، كما طلبت من مسؤول وحدة الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء أن ينتقل بدوره فورًا إلى طرابلس. واتصلت بوزير الداخلية، الذي كان أوعز إلى مدير الدفاع المدني بالتوجه أيضًا إلى المدينة، واتصلت بوزير الصحة بهدف تجنيد كل إمكانات الدولة للتصدّي لتداعيات هذه الكارثة الإنسانية”.
وأكد سلام أن الحكومة بكامل الجاهزية لتقديم بدلات الإيواء لكل سكان المباني التي ينبغي إخلاؤها، وكذلك توفير الأموال الضرورية للمباشرة بتدعيم الأبنية المطلوب تدعيمها فورًا، وفق ما تم الاتفاق عليه في الاجتماع الذي عقد في السراي الكبير لهذه الغاية منذ أسبوعين.
وتابع أنّ هوية هذه الأبنية وعددها ودرجة الخطر، الذي تشكّله على شاغليها، أمر تحدّده بالدرجة الأولى السلطات المحليّة.
فيما أكد وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، خلال جولة له في طرابلس عقب انهيار المبنى في باب التبانة وما تلاه من احتجاجات، أنّ المدينة “لن تكون مجدّدًا في دائرة الإهمال من قبل الدولة”، مشدّدًا على أن الحكومة في حال طوارئ لمواكبة تداعيات الكارثة.
وأوضح الحجار أنّ مراكز الإيواء متوافرة والخطة الموضوعة دخلت حيّز التنفيذ، مشيرًا إلى أن الأموال مؤمّنة، وأنّ “كل ما هو مطلوب لأهلنا في طرابلس سيكون متوافرًا”، مع الإعلان عن اجتماع يُعقد غدًا (اليوم) في السراي الحكومي لاستكمال الخطوات التنفيذية.
وأضاف الحجار: “يوجد داتا عن الأبنية التي تعاني من مشكلات وسنقوم بمسح إضافي لتغطية كل المدينة. إن كان هناك أي تقصير فنحن نعتذر عنه. ونقول لطرابلس الدولة إلى جانبكم وهناك تراكم ومشاكل من سنوات طويلة ومسؤوليتنا أن نكون حاضرين”.
من جانبه، أعرب وزير العدل اللبناني عادل نصار، في بيان، عن بالغ حزنه وأسفه إزاء الكارثة المتمثلة بانهيار المبنى في منطقة باب التبانة، متقدّمًا بأحر مشاعر التضامن مع الأهالي، ومتمنيًا الشفاء العاجل للمصابين والرحمة للضحايا.
وكشف نصار أنه تواصل مع المدعي العام الاستئنافي في الشمال هاني الحجار، طالبًا فتح تحقيقات فورية لكشف ملابسات الحادث، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بما يضمن تحقيق العدالة.
بدوره، عاود الحجار الاتصال بالوزير نصار، مؤكدًا المباشرة الفورية بالإجراءات القانونية المطلوبة.
وأعلن المكتب الإعلامي في وزارة الصحة العامة أنّ “الوزير ركان ناصر الدين أعطى توجيهاته بمعالجة الجرحى المصابين نتيجة انهيار المبنى في منطقة التبانة على نفقة الوزارة مئة في المئة”.
وبحسب بيان للوزارة، “يتابع مركز عمليات طوارئ الصحة العامة منذ لحظة حصول الحادث، بالتنسيق مع الجهات الإسعافية المعنية، تطوّرات أعمال رفع الأنقاض التي لا تزال مستمرة لإنقاذ الذين لا يزالون عالقين تحت الأنقاض”.
وغرّد الرئيس سعد الحريري على منصة “إكس” متضامنًا مع أهل طرابلس المظلومة.
وتعقيبًا على الكارثة المتجدّدة في طرابلس، قال النائب فيصل كرامي: “أطالب باستقالة هذه الحكومة فورًا، التي لم تتحمّل مسؤوليتها تجاه مدينة طرابلس”.
كما أصدر الرئيس نجيب ميقاتي بيانًا قال فيه: “إزاء استمرار حوادث سقوط المباني في طرابلس، فلا كلام يعبّر عن الحزن والأسى لما يحصل، وعن التعاطف مع الضحايا. ولكنني أجدّد المطالبة باستكمال الإجراءات التي كنّا باشرناها في الحكومة السابقة لجهة تكليف بلدية طرابلس، التي تملك الإحصاءات الكاملة حول واقع المباني، بالتعاون مع وزارة الداخلية والبلدية، بإلزام أصحاب هذه البنايات بترميمها وتدعيمها بأسرع وقت، وإذا تعذّر ذلك لأسباب مادية، فعلى الدولة رصد مبالغ من الخزينة العامة لتدعيمها ووضع إشارات على العقارات لمصلحة البلدية لمنع التصرّف بها من قبل المالكين، إضافة إلى تأمين أماكن إيواء مؤقتة لسكّان هذه المباني طوال فترة الترميم”.
أضاف أنّ “هذه الإجراءات وسواها من التدابير باتت أكثر من طارئة، لأنّنا وصلنا إلى مرحلة باتت تتطلب معالجة جذرية لمنع سقوط المزيد من الضحايا”، معبّرًا “عن تعاطفنا مع الضحايا وذويهم، ونتمنى للجرحى الشفاء العاجل”.
إلى ذلك، شهدت المدينة حالةً من الغضب الشعبي العارم، وأفيد بأنّ عددًا من أهالي طرابلس توجّهوا إلى مكاتب عدد من نواب المدينة ومنازلهم، تعبيرًا عن استيائهم من تكرار حوادث انهيار الأبنية الآيلة للسقوط، في ظلّ ما وصفوه بالإهمال المزمن وغياب المعالجات الجذرية.
وردّد المحتجّون شعارات تطالب بالمحاسبة ووضع خطة طارئة لمعالجة ملف الأبنية المتصدّعة، معتبرين أن ما جرى يتجاوز كونه حادثًا عرضيًا ليشكّل نتيجة مباشرة لسنوات من التقصير.
مواضيع ذات صلة :
مخاوف من انهيار مبنى جديد في القبّة – طرابلس… هلع وإخلاءات وتحذيرات من كارثة جديدة! | قتلى جراء انهيار مبنى في نيودلهي | كارثة في طرابلس: انهيار مبنى الزيلع في الميناء يُسفر عن شهداء ومصابين |




