طرابلس تحت الخطر: إخلاءات قسرية، تحذيرات علمية، وتحركات متأخرة بعد سلسلة انهيارات قاتلة

تدخل مدينة طرابلس مرحلة شديدة الحساسية، مع تصاعد الإجراءات الميدانية لإخلاء مبانٍ مهدّدة بالانهيار، في أعقاب سلسلة انهيارات متتالية أودت بحياة مدنيين، بينهم أطفال. المشهد العام في المدينة يتسم بحالة توتر وقلق، في ظل تحركات أمنية وبلدية عاجلة، وتحذيرات أكاديمية من كارثة أوسع، مقابل مطالبات سياسية وشعبية بقرارات جذرية وسريعة قبل فوات الأوان.
وبدأت التطورات الميدانية بسلسلة إخلاءات لمبانٍ سكنية وُصفت بأنها مهددة بالسقوط في عدد من أحياء طرابلس. ففي منطقة القبة، أُخلي مبنى في شارع الجديد بالقوة، وسط رفض من السكان الذين اعترضوا على إخراجهم من منازلهم من دون تأمين أي بديل سكني أو ضمانات واضحة. وترافق الإخلاء مع انتشار واسع للقوى الأمنية، ما زاد من حدة التوتر في المنطقة.
ولم تلبث الإجراءات أن توسعت، حيث جرى إخلاء مبنى كبارة في القبة أيضًا، في مشهد مشابه طغى عليه الغضب الشعبي والخوف من المصير المجهول، خصوصًا لدى العائلات التي وجدت نفسها فجأة خارج منازلها.
وفي الأسواق الداخلية شمال المدينة، نفّذت الجهات المعنية إخلاءً احترازيًا لمبنى مهدّد بالانهيار، حفاظًا على سلامة السكان والمارّة. وبالتوازي، باشر مهندس مختص جولات كشف ميدانية على عدد من الأبنية في المحلة نفسها لتقييم أوضاعها الإنشائية واتخاذ التدابير المناسبة.
الإجراءات الوقائية امتدت كذلك إلى مجمع الزيلع في جبل محسن، حيث أُخليت منازل متصدعة، ما دفع الأهالي إلى قطع الطرقات احتجاجًا، مطالبين بتدخل فوري من الدولة والبلدية لتأمين مأوى مؤقت وتعويضات، محذرين من تفاقم الأزمة الاجتماعية في حال استمرار سياسة الإخلاء من دون حلول عملية.
على خط التضامن، أعلن “تلفزيون لبنان” فتح هوائه مباشرة مساء الأربعاء لجمع التبرعات دعمًا لمدينة طرابلس، في أعقاب النكبة التي حلّت بها إثر انهيار المباني.
إلى ذلك، في موازاة التطورات الميدانية والدعم الإعلامي، أطلق البروفسور خالد عمر تدمري، العضو السابق في المجلس البلدي لطرابلس وأستاذ العمارة والتخطيط المدني في الجامعة اللبنانية، تحذيرًا عالي السقف، داعيًا إلى إعلان طرابلس مدينة منكوبة وفرض حالة طوارئ عاجلة.
وفي حديثه لـ“هنا لبنان”، اعتبر تدمري أنّ أي تأخير في معالجة الأبنية المهددة بالسقوط يشكّل “تلاعبًا مباشرًا بأرواح الناس”، مشددًا على أنّ الحلول الجزئية لم تعد مجدية أمام حجم الخطر القائم.
وعرض تدمري خطة إنقاذ متكاملة من خمس مراحل، تبدأ بتأمين التمويل اللازم لإخلاء سكان أكثر من 105 مبانٍ مهددة بالانهيار الحتمي، إلى جانب إنجاز مسح هندسي مفصّل. وأشار إلى إمكانية الاستعانة بالفرق الهندسية في الجيش اللبناني لما تتمتع به من خبرة وتنظيم وقدرة على التنفيذ السريع.
وأوضح أن المرحلة الثانية تقوم على إخلاء المباني الأكثر خطورة وتأمين مراكز إيواء للسكان، إضافة إلى عزل هذه الأبنية عن محيطها تفاديًا لأي انهيار مفاجئ. أما المرحلة الثالثة، فتقضي بهدم المباني الآيلة للسقوط بعد تأمين التمويل اللازم، منعًا لوقوع كوارث إنسانية جديدة.
وتشمل المرحلة الرابعة ترميم أكثر من 600 مبنى متضرر، فيما تركز المرحلة الخامسة على تحديد المخالفات العمرانية التي أُضيفت إلى الأبنية تحت غطاء سياسي أو أمني أو انتخابي أو بلدي، والعمل على إزالتها بشكل عاجل.
كما شدد تدمري على ضرورة وضع خطة طويلة الأمد لإعادة تأهيل الأحياء المتضررة، تعتمد على هدم تدريجي للمباني غير القابلة للترميم واستبدالها بأبنية حديثة، مع تأمين مساكن بديلة للسكان عبر بدلات إيجار أو مساكن سريعة الإنشاء. وختم بالدعوة إلى إنشاء صندوق تمويلي خاص بإدارة شفافة، تفاديًا لتكرار تجارب الهدر السابقة.
البلدية تتحرك: صندوق طارئ ومسح شامل
من جهته، أعلن رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة إطلاق صندوق طارئ لتدعيم الأبنية المتصدعة في المدينة، وذلك بعد انهيار أربعة مبانٍ سكنية وما نتج عنه من سقوط شهداء وجرحى.
وأوضح كريمة أن هذه المبادرة تأتي في إطار التدخل الرسمي للدولة بمختلف أجهزتها، وتهدف إلى الحد من المخاطر عبر إجراء مسح هندسي شامل للأبنية المهددة بالانهيار، بإشراف مباشر من نقابة المهندسين. وأشار إلى أن نتائج هذا المسح ستُستخدم لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السكان، سواء عبر التدعيم أو الإخلاء أو الهدم عند الضرورة.




