ملف اللاجئين السوريين في لبنان: بين العودة المنظمة وتراجع التمويل.. وقائع جديدة تعيد خلط المشهد

يشهد ملف اللاجئين السوريين في لبنان تحوّلات متسارعة مع بداية عام 2026، في ظل تزايد وتيرة العودة الطوعية المنظمة، مقابل تراجع غير مسبوق في التمويل الدولي، وظهور موجات نزوح جديدة فرضت تعقيدات إضافية على واقعٍ أصلاً مثقل بالأزمات. وبين تحركات رسمية لبنانية، وبرامج أممية محدودة الموارد، ومواقف سياسية تؤكد أولوية السيادة والاستقرار، يتقدم هذا الملف نحو مرحلة دقيقة قد ترسم ملامح نهايته أو تعيد فتحه على سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
تنسيق رسمي واستكمال لمسار العودة
في هذا الإطار، عقد محافظ البقاع كمال أبو جوده اجتماعًا في مكتبه في سراي زحلة، مع ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان كارولينا ليندهولم بيلينغ، استكمالًا للاجتماع السابق الذي عُقد في 26 تشرين الثاني 2025. وتناول اللقاء أطر التعاون بين المفوضية ومحافظة البقاع في ما يتعلق بملف النازحين السوريين وعودتهم إلى سوريا، في ظل المتغيرات الميدانية والسياسية التي طرأت خلال الأشهر الماضية.
ويأتي هذا الاجتماع ضمن سلسلة لقاءات تنسيقية تهدف إلى تنظيم آليات العودة الطوعية، ومتابعة أوضاع المناطق اللبنانية الأكثر تأثرًا بملف النزوح، لا سيما في البقاع، الذي يشكّل أحد أبرز مراكز استضافة اللاجئين منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011.
تنفيذ المرحلة الرابعة عشرة من العودة المنظمة
ميدانيًا، أعلن مكتب شؤون الإعلام في المديرية العامة للأمن العام اللبناني، أواخر الشهر الماضي، عن تنفيذ المرحلة الرابعة عشرة من خطة الحكومة اللبنانية المتعلقة بالعودة المنظمة للنازحين السوريين من لبنان إلى بلادهم.
وأوضح الأمن العام في بيان أنّ العملية نُفذت من نقطة التجمع في منطقة الكرنتينا في بيروت، مرورًا بمركز الأمن العام الحدودي في المصنع، وبالتنسيق مع السلطات الأمنية السورية، وبالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة، والصليب الأحمر اللبناني، إلى جانب عدد من المنظمات الإنسانية.
وبحسب بيان صادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإنّ هذه الخطوة تندرج ضمن برنامج العودة الطوعية المنظمة، الذي يُستكمل خلال عام 2026، حيث تعود عائلات اللاجئين السوريين طوعًا وبأمان إلى مناطق عدة داخل سوريا، من بينها محافظات حمص وحلب وإدلب وحماة ودمشق وريفها، بعد سنوات طويلة من اللجوء في لبنان.
وأفاد مراسل وكالة الأناضول بأن نحو 40 شخصًا عادوا في هذه المرحلة عبر معبر المصنع، على متن حافلات أعدّتها المفوضية، بالتعاون مع الأمن العام اللبناني والمنظمة الدولية للهجرة.
أرقام النزوح والعودة: مسار متصاعد
وتشير التقديرات اللبنانية إلى أن عدد اللاجئين السوريين في لبنان يبلغ نحو 1.5 مليون شخص، بينهم نحو 880 ألفًا مسجلون لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وكانت الحكومة اللبنانية قد أطلقت برنامج العودة الطوعية في حزيران 2025، في خطوة وُصفت حينها بأنها محاولة جدية للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها.
وفي هذا السياق، أظهرت الأرقام أنّ نحو 501,600 ألف سوري غادروا لبنان حتى نهاية كانون الأول الماضي، أي بزيادة تقارب مئة ألف شخص عن الأرقام التي كانت قد توقعتها السلطات اللبنانية. ووفق خطة الاستجابة الحكومية لعام 2026، يُتوقع أن يرتفع هذا العدد بنحو 400 ألف شخص إضافي بحلول شهر حزيران المقبل.
ومع بداية العام الجاري، أعلنت مفوضية اللاجئين عن برنامج يتضمن 18 رحلة للعودة المنظمة حتى شهر حزيران، انطلقت أولها في أواخر كانون الثاني، على أن تتبعها رحلة ثانية في 25 شباط، ثم ترتفع وتيرة الرحلات تدريجيًا اعتبارًا من آذار، لتصل إلى أربع رحلات شهرية في الأشهر اللاحقة.
الشتاء، المعابر، والعودة الذاتية
وتشكّل هذه الرحلات مؤشرًا إضافيًا على حجم العودة التلقائية المستمرة منذ أشهر، والتي يعتمد معظمها على الموارد الذاتية للاجئين. وقد تأثرت وتيرة العودة خلال فصل الشتاء بعوامل لوجستية، أبرزها الإقفال القسري لمعبر العريضة شمالًا نتيجة السيول، إضافة إلى رغبة بعض العائلات في تمديد إقامتها في لبنان إلى ما بعد انتهاء فصل الشتاء، نظرًا لصعوبة الظروف المناخية، خصوصًا على الفئات المصنفة هشة.
نزوح جديد يعقّد المشهد
في مقابل هذه الحركة التصاعدية للعودة، سجل لبنان موجة نزوح جديدة من سوريا بعد عام 2024. ووفق تقرير خطة الاستجابة اللبنانية لعام 2026، دخل إلى الأراضي اللبنانية نحو 120 ألف وافد جديد، ما أبقى لبنان في صدارة الدول المستضيفة للاجئين نسبة إلى عدد السكان، وفق نداء الوطن.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإنّ غالبية الوافدين الجدد لا يبدون استعدادًا حاليًا لمناقشة مسألة العودة، في ظل التغيرات السياسية في سوريا، وهو ما يطرح تحديات اجتماعية وأمنية إضافية، ويستدعي تنسيقًا مباشرًا بين السلطات المعنية في البلدين.
تراجع التمويل الدولي وتفكك منظومة الحماية
بالتوازي، تشهد منظومة الدعم الدولية للاجئين السوريين في لبنان تراجعًا حادًا. إذ تم توجيه الجزء الأكبر من التمويل المتبقي نحو تشجيع العودة الطوعية، فيما اقتصر الدعم المخصص للاجئين داخل لبنان على مرحلة انتقالية قصيرة ومحدودة.
وقدّرت الحاجة التمويلية للنصف الأول من عام 2026 بنحو 62 مليون دولار لدعم عودة نحو 200 ألف شخص، إلا أن فجوة التمويل لا تزال واسعة. وتشير المعطيات إلى أن المفوضية لم تتمكن من تأمين سوى جزء ضئيل من المبالغ المطلوبة، ما أدى إلى تقليص كبير في برامج المساعدات النقدية، والصحية، والتعليمية، والمأوى، وانعكس مباشرة على مئات آلاف اللاجئين.
تسهيلات حدودية وتنظيم العودة
في هذا السياق، يواصل الأمن العام اللبناني تطبيق تسهيلات حدودية لتشجيع العودة، تشمل جميع الرعايا السوريين والفلسطينيين القادمين من سوريا، بعد تسوية أوضاعهم وفق الأصول، من دون إصدار بلاغات منع دخول بحقهم، شرط عدم وجود ملاحقات قضائية.
وتكتسب هذه التسهيلات أهمية خاصة في ما يتعلق بالأطفال المولودين في لبنان، حيث تشير الإحصاءات إلى أن نسبة كبيرة منهم لا تملك أوراقًا ثبوتية مكتملة، ما يجعل العودة فرصة لإعادة تسجيلهم قانونيًا ضمن السجلات السورية، واستعادة هويتهم المدنية.
موقف رئيس الجمهورية
وفي أكثر من مناسبة، أكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن لبنان لم يعد قادرًا على تحمّل أعباء النزوح، مشددًا على أن العودة الآمنة والكريمة للنازحين السوريين تشكّل مصلحة مشتركة للبنان وسوريا على حد سواء. ولفت إلى أن الدولة اللبنانية ملتزمة تسهيل العودة بالتعاون مع الجهات الدولية، ضمن احترام القوانين اللبنانية ومعايير الحماية الدولية، وبما يحفظ سيادة الدولة ويخفف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية عن اللبنانيين.




