طرابلس بين الانهيار والإخلاء… الأزمة تتفاقم!

حال من الترقّب المشوب بالقلق والهلع تسود مدينة طرابلس منذ كارثة انهيار المباني على رؤوس ساكنيها، في مشهدٍ أعاد إلى الواجهة ملف الأبنية المتصدّعة والمهدّدة بالسقوط. ومع استمرار عمليات الإخلاء للمباني الأكثر عرضةً للخطر، بمواكبة من القوى الأمنية، تتحرّك الجهات المعنية لتفادي تكرار المأساة، فيما يعيش السكان بين الخوف من انهيار جديد والبحث عن مأوًى آمنٍ.
وتتعدّد أسباب الانهيارات، وفق ما يوضح نقيب المهندسين في طرابلس شوقي فتفت، الذي أشار في حديث لـ”النهار”، إلى أن “انهيار المباني خلال الفترة الأخيرة يعود إلى أسباب هندسية، منها عدم تحمّل الطبقات التي أضيفت إلى المبنى الأساسي، إضافةً إلى تأثير الأمطار وتسرّب المياه، فضلًا عن مشاكل في مجاري الصرف الصحي ساهمت في تسريع الانهيار”.
ولفت إلى أن نحو 2400 وحدة سكنية في طرابلس تحتاج إلى ترميم وتدعيم، بينها مبانٍ قريبة من السوق القديمة سبق أن خضعت لمسح من المديرية العامة للآثار، مُشيرًا إلى أن كلفة إعادة ترميمها وتدعيمها تُقدّر بما بين 30 و40 مليون دولار.
خطة إنقاذ ومراكز إيواء مؤقتة
في موازاة ذلك، كشف راعي أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف، بعد جولةٍ قام بها مع وفد من أبناء المدينة على الرؤساء الثلاثة، أن البحث تناول مراحل العمل المطلوبة لمواجهة الأزمة. وأوضح أن المرحلة الأولى تقوم على الطلب من الأهالي، “حتى حدّ الإقناع أو الضغط تبعًا لخطورة الحالة”، إخلاء المنازل المهدّدة بالسقوط.
أمّا المرحلة الثانية فتشمل تأمين مأوى موقت لمدة أسبوع إلى عشرة أيام، على أن تؤمّن الدولة بدل إيجار لمدة سنة، سواء داخل طرابلس أو في مناطق أخرى. وتتمثّل المرحلة الثالثة في ترميم الأبنية القابلة للترميم أو هدم تلك التي تستوجب الإزالة، فيما تقضي المرحلة الرابعة بإنشاء صندوق شراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمدني والديني، على مستويين محلي وإقليمي، مع التركيز على دعم من الدول العربية.
وفي حديث لـ”الأنباء الكويتية”، وصف المطران سويف الوضع بأنّه “مشروع ضخم جدًا”، مشيرًا إلى أنّ مراكز الإيواء الموقتة جاءت ثمرة تضافر جهود متعدّدة. وأوضح أن المطرانية سلّمت لائحة بالأماكن المتاحة للإيواء، بينها دير تابع لها وطوابق فارغة في بعض المدارس، كما لبّت بلديات في جبيل وشكا ومناطق مجاورة النداء الإنساني وأبدت استعدادها لتقديم المساعدة.
وأشار إلى أنّ من بين الحلول المطروحة البيوت الخشبية الجاهزة، معتبرًا أنّها تحافظ على كرامة العائلة ويمكن تنفيذها خلال شهر أو شهرين.
ووجّه المطران سويف نداءً باسم المجتمع الطرابلسي والمطارنة والمفتين وهيئات المجتمع المدني “لكل إنسان ذي إرادة صالحة من أجل التضامن مع منكوبي طرابلس”، لافتًا إلى أن “الحالة مأساوية لدرجة أنّنا، وفي غمرة تساقط الأمطار، نرفع الصلاة كي لا يؤدي ذلك إلى سقوط مبانٍ إضافية”.
الراعي يوجّه نداءً إلى المسؤولين
من جهته تحدث البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في عظة الأحد عن مأساة مدينة طرابلس.
وقال: “لقد تضامن لبنان مع مأساة كارثة مدينة طرابلس وأهلها المصابين بانهيار بناياتها. فإنّنا نقدّم التعازي لعائلات الضحايا: اثنتين في الانهيار الأول، وخمس عشرة ضحية في الانهيار الثاني، ونتمنى الشفاء للجرحى. ونقدّر كل الذين قدّموا أماكن لاستقبال العائلات المنكوبة. ولكن تبقى أكثر من 114 بنايةً مهدّدة بالانهيار، فنوجّه النداء إلى المسؤولين في الدولة لأخذ الحيطة ومساعدة ساكنيها على إيجاد أمكنة إيواء مطمئنة.
وتابع: “التغيير يبدأ حين يتحوّل كل واحد إلى خادمٍ أمين في موقعه، يملأ جرّته بصدق عمله ونقاوة ضميره. الوطن ليس فكرة مجرّدة، بل عرس مشترك. إذا نقصت الخمرة، لا يكفي أن نشكو، بل يجب أن نرفع الحاجة إلى منبع الرجاء، وأن نملأ الأجران بما بين أيدينا من إرادة صالحة وجهد حقيقي. آنذاك لا يعود الحديث عن ندرة، بل عن فيض؛ لا عن عجز، بل عن قدرة؛ لا عن نهاية، بل عن بداية جديدة. ومدخل الصوم يذكّرنا بأنّ التغيير الوطني يبدأ بتغيير الذات الشخصية، لأن القلب المتحوّل هو أساس المجتمع المتجدّد”.
وختم الراعي: “من عرس قانا نطلّ على واقعنا الوطني. كم مرّة شعرنا بأن الخمر قد نفدت من عرس وطننا؟ أنّ الفرح تراجع، وأنّ الثقة اهتزّت، وأنّ الأجران بدت فارغةً أو مهملةً؟ لكن إنجيل اليوم لا يتوقّف عند النقص، بل يوجّهنا إلى الطريق المستقيم”.
مواضيع ذات صلة :
إخلاء مبنى آخر في طرابلس بعد سماع أصوات تصدّع في أعمدة الأساس | اللبنانية الأولى تشكر مؤسسة CMA CGM على دعم أهالي طرابلس بعد الانهيارات | عبد المسيح يطلق حملة تبرعات لإسعاف أهالي طرابلس |




