طرابلس تواجه أزمة الأبنية القديمة: إخلاءات جديدة وتدابير حماية للسكان

شهدت مدينة طرابلس أمس الأحد تحركات واسعة من الجهات الرسمية المختصة بملف الأبنية المهددة بالانهيار، وذلك في إطار جهود الحكومة اللبنانية لمتابعة الوضع العمراني القديم في المدينة وحماية السكان من المخاطر المحتملة. وفي خطوة بارزة، باشرت السلطات إخلاء مشروع الزيلع في منطقة جبل محسن، حيث طُلب من السكان مغادرة المباني حفاظاً على حياتهم وسلامتهم. وفي واحدة من الحالات، هدد أحد السكان في مبنى القبة، المقرر هدمه صباح يوم الاثنين، بحرق نفسه احتجاجاً على الإخلاء، الأمر الذي دفع شرطة بلدية طرابلس وقوى الأمن الداخلي إلى التدخل فوراً لتهدئة الأوضاع ومنع أي تصعيد محتمل.
تتزامن هذه التحركات مع جهود أخرى تشمل متابعة الأبنية المتصدعة في المدينة، التي شهدت في السنوات الماضية عدة حوادث سقوط مبانٍ أسفرت عن وقوع ضحايا وخسائر مادية كبيرة. وأعلنت رئاسة الحكومة اللبنانية إخلاء ستة عشر مبنى متصدعاً في طرابلس، شملت مئات العائلات، حيث تم إجلاء 161 عائلة كانت تقطن هذه المباني. وقد تم تأمين مراكز إيواء مؤقتة لـ46 عائلة تقدمت بطلبات للاستفادة منها، بينما بدأت الجهات المختصة بأعمال تدعيم سبعة أبنية تبين أنها قابلة للمعالجة وفق التقارير الفنية والهندسية.
وفي تصريح له، أشار نقيب المهندسين في بيروت، فادي حنا، إلى أن أزمة الأبنية القديمة في طرابلس ليست فريدة من نوعها، بل تمتد إلى مناطق عدة في لبنان، حيث هناك أبنية قديمة مهددة بالسقوط وتحتاج إلى متابعة مستمرة وتدعيم دوري. وأوضح حنا أنّ عدد الأبنية المهددة في طرابلس وحدها يبلغ نحو 116 مبنى، وأن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات الفحص والمراقبة. وأكد أنّ أسباب انهيار الأبنية متعددة، فهي تشمل عوامل طبيعية مثل الهزات والزلازل وانجرافات التربة نتيجة السيول الغزيرة، بالإضافة إلى الأسباب الإنشائية، حيث توجد أبنية لا تلتزم بالمواصفات الفنية المطلوبة، وأحياناً تصل المخالفات إلى سبعة طوابق دون إشراف هندسي مسؤول.
وأشار حنا إلى أنّ الإهمال البشري يمثل عاملاً رئيسياً في هذه الأزمة، حيث يغفل الكثير عن الصيانة الدورية والمراقبة الفنية للأبنية، خصوصاً الأبنية القديمة التي تجاوز عمرها سبعين عاماً، والتي تحتاج إلى كشف دوري وتدعيم أساسي. وأضاف أن سقوط بعض الأبنية لا يرتبط بالتصميم الهندسي وحده، بل نتيجة أعمال تجري بجانب المبنى تؤثر على سلامته، وهو ما يجعل مسؤولية المالك أو الجهة المالكة مباشرة في ضمان سلامة المبنى من خلال التدعيمات اللازمة عند ظهور أي تشققات أو أضرار.
وفي سياق متصل، شهدت مناطق أخرى في شمال لبنان، مثل وادي النحلة في المنية، إجراءات إخلاء مشابهة، حيث حضرت القوى الأمنية إلى المباني المهددة وطلبت من السكان مغادرتها حفاظاً على سلامتهم، فيما ناشد السكان الجهات الرسمية الإسراع في إيجاد بدائل سكنية لتجنب تفاقم الأزمة ووقوع أي حوادث.
وتأتي هذه الإخلاءات ضمن إطار متابعة مسلسل الأبنية المتصدعة في لبنان، والذي يتضمن تعقيدات كبيرة تتعلق بتقديم المساعدات والإيواءات للعائلات المتضررة وتأمين شبكة أمان للحفاظ على حياتهم. ويشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن هناك ما بين 15 إلى 16 ألف مبنى سكني مهدد في لبنان، رغم أن ليس كل المباني القديمة مهيأة للسقوط، وتظل البيانات الأكثر دقة متوفرة لدى نقابة المهندسين التي تنتظر صدور القانون الذي يمنحها الحق في متابعة هذه الأبنية والإشراف على أعمال التدعيم والفحص الدوري.
وقد شهدت طرابلس، أمس الأحد، استمرار عمليات الإخلاء مع وجود مبانٍ أخرى مهددة بالسقوط، فيما قامت الجهات المعنية بتأمين مراكز إيواء مؤقتة للعائلات المتضررة، وتقديم المساعدات اللازمة لتسهيل انتقالهم بشكل آمن. وتواصل فرق المهندسين والفنيين المختصين أعمال الفحص والتدعيم للأبنية التي يمكن إنقاذها، في حين تبقى المباني التي لا يمكن إصلاحها تحت إجراءات الإخلاء والهدم.
يذكر أن مدينة طرابلس سبق أن شهدت حوادث سقوط مبانٍ أودت بحياة العديد من الأشخاص، ما يجعل هذه الإجراءات عاجلة وضرورية، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية التي قد تزيد من مخاطر الانهيار. ومن المتوقع أن تستمر الجهود الحكومية، بالتنسيق مع القوى الأمنية ونقابة المهندسين، لمتابعة الأبنية المهددة في جميع مناطق الشمال، بهدف حماية السكان وتأمين حياتهم وممتلكاتهم.




