زيادة البنزين ورفع الـTVA … تصحيح رواتب أم تعميق للانهيار؟

لبنان 18 شباط, 2026

في مشهد يعكس انفصالًا تامًا عن واقع الناس، أقدمت الحكومة على رفع أسعار المحروقات وفرض ضريبة إضافية بنسبة 1%، فيما تغرق البلاد في أزمة معيشية خانقة. قرارات جاءت لتزيد الأعباء على المواطنين والقطاعات المنتجة، في وقتٍ كان يُفترض فيه البحث عن حلول توقف الهدر وتكافح الفساد بدل اللجوء إلى جيوب الناس كمصدر تمويل دائم.

اقتصاديًا، تشكّل المحروقات عنصرًا أساسيًا في الدورة الإنتاجية والخدماتية في لبنان. فارتفاع سعر البنزين لا ينعكس فقط على كلفة تنقل الأفراد، بل يمتد إلى كلفة نقل البضائع والمواد الأولية، ما يؤدي إلى ارتفاع تدريجي في أسعار السلع الأساسية، من الغذاء إلى الدواء وصولًا إلى مختلف الخدمات.

في هذا السياق، اعتبرت الهيئة الإدارية لرابطة موظفي الإدارة العامة أنّ ما صدر عن الحكومة يشكّل التفافًا على الحقوق بدل أن يكون خطوة إصلاحية حقيقية. وأكدت أنّ تحميل المواطنين أعباء إضافية يضع الموظفين في مواجهة المجتمع بدل أن يعالج مكامن الخلل البنيوي. وطالبت الرابطة بمشاركة ممثلين عنها في لجنة إعداد سلسلة الرتب والرواتب، وفي أي اجتماع يتصل بتحسين الأجور، معتبرة أنّ أي إصلاح لا يمكن أن يتم بمعزل عن أصحاب العلاقة المباشرين. كما دعت إلى إعطاء 10 رواتب فورًا من دون انتظار إقرار قوانين جديدة، وإلى منح صفائح بنزين أسوة بغيرها من الأسلاك، إضافة إلى حصر الدوام بأربعة أيام أسبوعيًا من الثامنة صباحًا حتى الثانية بعد الظهر، مراعاةً للظروف المعيشية الصعبة. وأعلنت التوقف عن العمل والإضراب العام في الإدارات العامة يومي 19 و20 شباط، مع إبقاء اجتماعاتها مفتوحة لمواكبة التطورات.

بدورها، حذّرت نقابة عمال ومستخدمي بلديات محافظة بعلبك الهرمل من أنّ رفع أسعار المحروقات والضرائب، تزامنًا مع دخول شهر رمضان، سيزيد الأعباء على العمال الذين لم تشهد أجورهم أي تحسن يُذكر. وأشارت إلى أنّ ارتفاع كلفة النقل والغذاء والحاجات اليومية يضاعف الضغوط على عمال البلديات الذين يؤدون مهامهم في ظروف صعبة، من تنظيف الشوارع ورفع النفايات إلى خدمة المواطنين في مناطق تعاني أساسًا من ضعف الخدمات. ولفتت إلى أنّ تآكل الرواتب وغياب الحماية الاجتماعية الفعلية يضعان هؤلاء العمال في أوضاع معيشية قاسية، محذّرة من أنّ استمرار تجاهل حقوقهم قد يؤدي إلى احتقان اجتماعي متزايد.

من جهتها، أكدت رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي رفضها لمقررات مجلس الوزراء، معتبرة أنّ زيادة أجور القطاع العام، ومن ضمنهم الأساتذة، حق مكتسب وليست منّة من أحد. ورأت أن ربط هذه الزيادة بفرض ضرائب إضافية يفاقم معاناة الفئات الفقيرة في ظل أوضاع اقتصادية خانقة. وتساءلت عن أسباب عدم فرض ضرائب على الأملاك البحرية أو معالجة التهرب الجمركي، وانتقدت ما وصفته بتخفيضات كبيرة على بعض الرسوم، إضافة إلى استمرار عقود إيجارات مؤسسات رسمية مستأجرة من جهات سياسية. وأكدت رئيسة الرابطة الدكتورة نسرين شاهين ضرورة تعديل مرسوم بدل النقل ليُحتسب عن كل يوم عمل، معتبرة أن كلفته محدودة مقارنة بحجم الأعباء التي يتحملها المعلمون.

أما تجمّع روابط القطاع العام مدنيين وعسكريين، فرأى أنّ مقررات مجلس الوزراء لم تلبِّ تطلعات العاملين الذين كانوا ينتظرون رفع الرواتب والمعاشات وبدلات التعاقد إلى 50% من قيمتها التي كانت عليها عام 2019 على أساس الدولار الأميركي، مع زيادة تدريجية بنسبة 10% كل ستة أشهر حتى آب 2028. وأوضح أن ما أُقر فعليًا يعادل نحو 10% فقط من القيمة السابقة، ما يعني أن الرواتب لن تتجاوز 30% من قيمتها الأصلية، وهو ما وصفه بالظلم الذي سيتم التصدي له بالوسائل القانونية. كما اعتبر أن تمويل الزيادة عبر رفع الضرائب على المحروقات وزيادة الـTVA سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار وأجور النقل، ما يلتهم قيمة الزيادة نفسها، منتقدًا في الوقت ذاته تسويات ضريبية تمنح إعفاءات كبيرة للمتخلفين عن دفع الضرائب.

سياسيًا، انتقد رئيس حركة التغيير إيلي محفوض السياسات المعتمدة، معتبرًا أنّ تحميل الناس ثمن الفشل ليس إصلاحًا، وأن الإصرار على قرارات تُفقِر المواطنين يفاقم فقدان الثقة بين السلطة والمجتمع. وأشار إلى أنّ حكومات عدة حول العالم تراجعت عن قرارات ضريبية حين تبيّن أثرها السلبي على الأسواق والرأي العام، معتبرًا أنّ التراجع عن سياسات مرهقة ليس ضعفًا بل تصحيحًا للمسار.

تأتي هذه التطورات في ظل واقع اجتماعي هش، حيث تعتمد شريحة واسعة من اللبنانيين على دخل محدود لم يعد يكفي لتغطية أساسيات الحياة. ومع كل زيادة على المحروقات أو الضرائب، يتراجع هامش الأمان المعيشي أكثر، وتتسع الفجوة بين كلفة الحياة والدخل الفعلي. وفي غياب إصلاحات بنيوية واضحة تعالج مكامن الهدر والفساد وتعيد هيكلة المالية العامة على أسس عادلة، تبدو القرارات الضريبية الحالية كحلول ظرفية قد توفر إيرادات سريعة، لكنها تحمل في طياتها مخاطر اجتماعية واقتصادية أوسع.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us