عادل نصّار يفتح ثغرة: نحو نهاية قانون من زمنٍ آخر؟

لبنان 20 شباط, 2026

تصريحات وزير العدل عادل نصّار تُشكّل تحوّلًا نادرًا — وإيجابيًا — في النقاش العام اللبناني. فحين سُئل عن استخدام قانون عام 1955 المتعلّق بالاتصال مع إسرائيل، أقرّ بوجود مرحلة سابقة كان يمكن فيها توظيف هذا النص كأداة ضغط على ناشطين، مؤكّدًا أنّ تغييرًا عميقًا يجري اليوم وأنّه لن يُسمح بعد الآن بأي إساءة استخدام.

وبعيدًا من الشروحات التقنية والضمانات المؤسسية، تفتح مواقفه سؤالًا أعمق: إلى متى سيبقى لبنان أسير تشريع وُلد في سياق جيوسياسي مختلف جذريًا عن واقع اليوم؟

قانون تحوّل إلى أداة ترهيب
أُقرّ هذا القانون عام 1955 في مرحلة اتّسمت بتصاعد التوترات الإقليمية وغياب أي إطار دبلوماسي، وكان هدفه تجريم أي علاقة مع إسرائيل. لكنّه مع مرور الوقت تجاوز نطاقه الأصلي.
ففي سنوات لاحقة، ولا سيما خلال فترات الاحتقان السياسي، تحوّل النص إلى وسيلة لاستدعاء صحافيين وباحثين وناشطين وترهيبهم أو ملاحقتهم بتهم “التواصل” أو “التحريض”، أحيانًا على خلفية تبادلات أكاديمية أو تحليلات علنية أو مواقف سياسية.
حتى عندما لم تكن هذه الملاحقات تنتهي إلى أحكام، كان أثر الردع قائمًا. فالتهديد وحده كان كافيًا، والاشتباه يصبح سلاحًا بحدّ ذاته.

إشارة إلى تغيير مرتقب
بتأكيده أنه يتابع شخصيًا منع أي تطبيق تعسّفي، وتذكيره بأنّ دور القاضي هو حماية الحريات، يبعث الوزير رسالة واضحة: لم يعد مقبولًا توظيف القضاء وفق محظورات سياسية موروثة من زمن آخر.
لكن تصحيح التطبيق لا يكفي، بل الجرأة للمساءلة عن وجود القانون نفسه باتت مطلوبة.

حان وقت النقاش
يمرّ لبنان بأزمة وجودية: انهيار اقتصادي، شلل مؤسساتي، وتراجع في القدرة على اتخاذ القرار السيادي. وفي هذا السياق، فإنّ التمسّك بقانون يعود إلى عام 1955 كركيزة للموقف الوطني يبدو أقرب إلى ردّة فعل أيديولوجية منه إلى استراتيجية دولة.
لقد تغيّر العالم وتبدّلت المنطقة. دول عربية عدة انخرطت في مسارات تطبيع أو حوار، كما تبدّلت موازين الطاقة والأمن والدبلوماسية عمّا كانت عليه في منتصف القرن العشرين.
ولا يمكن للبنان أن يدّعي الدفاع عن مصالحه فيما يمنع نفسه من التفكير في كل الخيارات الدبلوماسية الممكنة.

نحو مسار سلام حقيقي؟
إنّ إلغاء قانون 1955 أو إصلاحه جذريًا لا يعني التخلي عن السيادة أو تجاهل جراح الماضي، بل الاعتراف بأنّ السلام الدائم لا يُبنى على المنع الدائم.
وأي مسار سلام — إن حصل يومًا — يجب أن يكون شفافًا ووطنيًا ويخضع لنقاش ديمقراطي ضمن رؤية استراتيجية واضحة. فالمسألة ليست اصطفافًا أو تنازلًا عن الحقوق، بل مقاربة واقعية للمصلحة العليا للبلاد.
لبنان يستحق أفضل من حالة حرب قانونية دائمة، ويستحق نقاشًا ناضجًا حول موقعه في المنطقة.

فرصة يجب اغتنامها
تأتي تصريحات الوزير في سياق مواقف سابقة لمبعوثة الرئيس الأميركي الخاصة إلى لبنان، مورغان أورتاغوس، والتي كانت قد دعت إلى دينامية سلام مع إسرائيل. إلا أنّها تتجاوز ذلك، إذ تكسر محظورًا طالما أحاط بنص بات رمزًا للجمود.
الكرة اليوم في ملعب البرلمان والهيئات القانونية والنخب الفكرية والمجتمع لفتح نقاش وطني حول إلغاء هذا القانون، بل حول الاستراتيجية الإقليمية للبنان ككل. فالدولة التي لا تراعي آلام جميع أبنائها تفقد قدرتها على بناء وطن، كما أنّ الدولة التي تعجز عن نقاش صريح ومحترم لتاريخها وجراحها وحرياتها وخياراتها المستقبلية إنما تخاطر بمستقبلها.
التاريخ يبيّن أن الدول التي تتقدّم هي تلك التي تراجع مسلّماتها.
لقد عاش لبنان طويلًا في الخوف والانقسام والجمود.
وربما حان الوقت أخيرًا لتحويل منطق العداء التلقائي إلى سياسة واعية، سيادية، ومتطلّعة إلى المستقبل.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us