لبنان يفرح بطوباوي جديد… تطويب الأب بشارة أبو مراد حدث كنسي ووطني يتجاوز اللحظة

لبنان 23 شباط, 2026

في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات على لبنان، من أزمات اقتصادية خانقة إلى اضطرابات سياسية واجتماعية متلاحقة، يطلّ حدث روحي كبير ليمنح اللبنانيين جرعة رجاء: إعلان تطويب الكاهن اللبناني الأب بشارة أبو مراد، الرّاهب في الرهبانية الباسيلية المخلّصية للروم الملكيين الكاثوليك، بعد اعتراف الكرسي الرسولي بمعجزة شفاء نُسبت إلى شفاعته.

القرار البابوي لم يكن مجرد إجراء كنسي إداري، بل محطة إيمانية ووطنية عميقة، أعادت تسليط الضوء على الدور الروحي والتاريخي للرهبانيات اللبنانية، وعلى مكانة لبنان كأرض قداسة ورسالة في المشرق.

قرار بابوي وخمسة مراسيم

أذن البابا لاوون الرابع عشر بإصدار خمسة مراسيم صادرة عن دائرة دعاوى القديسين، خلال استقباله في 21 شباط للكاردينال مارسيلو سيميرارو، رئيس الدائرة. ومن بين هذه المراسيم، الإعلان المرتقب عن تطويب الأب بشارة أبو مراد.

وفي اللقاء نفسه، وافق البابا على إصدار مرسوم لتطويب الأخ غابرييليه ماريا، الكاهن الفرنسي من رهبانية الإخوة الأصاغر، الذي عاش بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر وكان مؤسّسًا مشاركًا لرهبانية بشارة العذراء مريم.

كما اعترفت ثلاثة مراسيم أخرى بالفضائل البطولية لكل من: فرانشيسكو لومباردي، كاهن من منطقة ليغوريا فاوستو غي، علماني من مدينة بريشيا وعضو جمعية عمال الصليب الصامتين الراهب الكبوشي الهندي ثيوفان.

إدراج اسم الأب بشارة ضمن هذه المراسيم يعكس مكانته الروحية، ويضعه رسميًّا على مذبح الكنيسة الكاثوليكية كطوباويٍّ جديد.

البطريرك العبسي: دعوة إلى القداسة

عبّر بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي عن فرحه باعتراف قداسة البابا بعجائب الأب المكرّم بشارة أبو مراد، وبمباشرة إعلان تطويبه رسميًّا في احتفالات دينية ستقام بعد الانتهاء من الترتيبات مع الرهبانية الباسيلية المخلصية، التي قال إنّها اسْتَقَتْ الإيمان والقداسة من منابعها.

وأضاف: “نهنئ المسيحيين المشرقيين عمومًا وأبناء كنيستنا خصوصًا وأبناء مدينة زحلة بهذا الحدث الإيماني العظيم الذي يدعونا إلى العودة إلى التمسّك بتعاليم الإنجيل وتحقيق الدعوة إلى القداسة. نسأل الله أن يعطينا جميعًا نعمة بشفاعة الطوباوي أبونا بشارة”.

سيرة حياة في الخدمة والبذل

وُلد بشارة أبو مراد في زحلة في 19 أيار 1853. منذ شبابه، نضجت لديه الدعوة الكهنوتية والحياة الرهبانية، فالتحق بدير الآباء الباسيليين المخلصيين في صيدا.

سيم كاهنًا في 26 كانون الأول 1883، وأوكلت إليه مهمة مدبر النظام في الإكليريكية الصغرى، ثم أُرسل إلى دير القمر للخدمة الرعوية.

في دير القمر، لم يكن هناك مبنى كنسي، فكان يحتفل بالقداس في بيوت المؤمنين. وبدعم من أسقف المنطقة ومساعدة الأهالي والمحسنين، تمكّن من بناء كنيسة، في مبادرة تعكس إيمانه العملي والتزامه الرعوي.

كما أسّس جمعية خيرية خاصة، وتميّز بإحسانه الكبير وحماسته الرسولية وروحانيته العميقة، جامعًا بين الخدمة الروحية والعمل الاجتماعي.

عام 1922، وبسبب تقدمه في السن وضعف صحته، نُقل إلى كاتدرائية الروم الملكيين في صيدا حيث واصل خدمته كمرشدٍ ومعرّف. أمضى سنواته الأخيرة في دير المخلص، وتوفي هناك في 22 شباط 1930، بعد حياة كرّسها بالكامل لخدمة الكنيسة والناس.

المعجزة التي مهّدت للتطويب

مسار التطويب اكتمل بعد الاعتراف بمعجزة شفاء سيدة كانت تعاني منذ عام 1983 من تآكل في المفاصل وانزلاق فقاري وفقرات تالفة من الدرجة الرابعة، ما جعلها مقعدةً على كرسي متحرك.

في عام 2009، عُثِرَ بالصدفة على سيرة صغيرة للأب بشارة. وفي ليلة ألم شديد، توجّهت بالصلاة إليه طالبة شفاعته. في اليوم التالي، بدأت المشي من دون أي مساعدة وبلا ألم، في شفاءٍ اعتُبر غير قابل للتفسير الطبي، وتم تثبيته كمعجزةٍ بشفاعته.

هذه المعجزة فتحت الباب رسميًا لإعلان تطويبه، بعد مسار كنسي دقيق وطويل.

تهانٍ رسمية وسياسية

الحدث لم يقتصر صداه على الإطار الكنسي، بل حظي بتفاعل رسمي وسياسي واسع.

رئيس الجمهورية جوزاف عون كان قد هنّأ طائفة الروم الملكيين الكاثوليك في لبنان والعالم والرهبانية الباسيلية المخلصية، معتبرًا أن مصادقة الكرسي الرسولي على تطويب الأب بشارة تمثل حدثًا روحيًّا كبيرًا يكرّم مسيرةً إيمانيةً مليئةً بالعطاء والخدمة، ويعكس عمق الحضور الروحي لهذه الرهبانية ودورها الإنساني.

كما شدّد على أنّ التطويب يشكل محطةً مُضيئةً في تاريخ الكنيسة المشرقية ولبنان، ويجسّد القيم التي قامت عليها البلاد من إيمان ورسالة محبة وثقافة عيش مشترك.

من جهة أخرى، كتب النائب راجي السعد عبر “إكس”: “قديسونا يزيدوننا إيمانًا وتمسّكًا بأرضنا المقدسة. مبروك للبنان ولكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك وللرهبانية الباسيلية المخلصية إعلان قداسة البابا لاوون الرابع عشر الأب بشارة أبو مراد طوباويًّا على مذبح الكنيسة الكاثوليكية”.

تطويب يتجاوز الطائفة

تطويب الأب بشارة أبو مراد لا يخصّ فقط أبناء كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، بل يحمل رسالة أوسع للبنان والمشرق.

في زمن الهجرة، والانقسامات، وتراجع الثقة بالمؤسّسات، يأتي هذا الحدث ليؤكد أنّ الأرض التي أنجبت شهودًا للإيمان والخدمة ما زالت قادرة على العطاء.

هو تذكير بأن القداسة ليست فكرة بعيدة أو حكرًا على عصور مضت، بل مسار حياة يومي قائم على الإحسان، والتواضع، وبناء الكنائس حيث لا تكون موجودة، وخدمة الفقراء بصمت.

في لحظةٍ يحتاج فيها اللبنانيون إلى رموز جامعة تُعيد تثبيت معنى الرسالة، يبرز اسم الأب بشارة أبو مراد كأحد هؤلاء الشهود.

رسالة رجاء للبنان

وسط الأزمات، يمنح هذا التطويب اللبنانيين مساحة فرح نادرة. إنه إعلان أن لبنان، على الرغم من كل الجراح، لا يزال أرض قداسة ورسالة، وأن جذوره الروحية أعمق من أزماته السياسية والاقتصادية.

تطويب الأب بشارة أبو مراد هو تكريم لمسيرة راهب خدم بصمت، لكنه أيضًا إعلان إيمان بأنّ الخير لا يُهزم، وأن الشهادة للمحبّة تبقى أقوى من كل العواصف.

وفي زمن الحاجة إلى الرجاء، قد يكون هذا الحدث إحدى العلامات التي تذكّر اللبنانيين بأنّ نور القداسة ما زال يشعّ من هذه الأرض.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us