الأبنية المتصدعة في طرابلس… أزمة قديمة تتفاقم وحلول قيد التنفيذ

لبنان 26 شباط, 2026

ليست أزمة الأبنية المتصدعة في طرابلس وليدة اليوم. فالمدينة، التي تُعد من أقدم الحواضر الساحلية في لبنان، تضم نسيجاً عمرانياً قديماً يختلط فيه التراثي بالسكني الشعبي، في ظلّ عقود من الإهمال البنيوي وضعف الصيانة وغياب التخطيط الحضري المتكامل. ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية منذ عام 2019، تراجع مستوى الصيانة الدورية، وازدادت الضغوط على المباني القديمة، لتتحول التشققات والتصدعات إلى تهديد مباشر للسلامة العامة.

جذور الأزمة: بنية تحتية مهترئة وإهمال مزمن

تاريخياً، تعاني أحياء عدة في طرابلس من مشاكل في شبكات الصرف الصحي ومياه الأمطار وتسرب المياه إلى الأساسات، إضافة إلى البناء العشوائي والتعديات غير المدروسة. هذه العوامل، إلى جانب تقادم الأبنية وغياب الرقابة الهندسية المنتظمة، أدت إلى تآكل تدريجي في الهياكل الإسمنتية والحجرية، وارتفاع مخاطر الانهيار، خصوصاً في المواسم الممطرة.
ومع تسجيل حوادث انهيار متفرقة خلال السنوات الماضية، تحوّل الملف إلى أولوية ملحّة، تتطلب معالجة هندسية واجتماعية متوازية، نظراً لارتباطه بمئات العائلات المقيمة في تلك الأبنية.

بالأرقام: ماذا تحقق حتى الآن؟

في اجتماع ترأسه رئيس مجلس الوزراء نواف سلام لمواكبة تنفيذ الخطة المتكاملة لمعالجة الأزمة، عُرضت المستجدات حتى 25 شباط 2026، والتي أظهرت تقدماً ميدانياً ملحوظاً:
– تم إخلاء 36 مبنى متصدعاً بعد تصنيفها أبنية خطرة وفق تقارير فنية مختصة، وغادرت 397 عائلة هذه الأبنية حفاظاً على سلامتها. ومن بين هذه العائلات، طلبت 66 عائلة تأمين مراكز إيواء مؤقتة، وقد تم توفيرها بالكامل.
– على الصعيد الهندسي، بدأت أعمال تدعيم 9 أبنية ثبتت قابليتها للمعالجة، فيما انطلقت أعمال الهدم لمبنى صُنّف غير قابل للتدعيم، ما يعكس انتقال المعالجة من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ الفعلي.

استجابة اجتماعية وصحية مرافقة

لم تقتصر المعالجة على الجانب الإنشائي. فقد أُدرجت جميع العائلات المتضررة ضمن برنامج أمان التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية، لضمان استمرارية الدعم المالي والاجتماعي، كما شملتهم وزارة الصحة العامة ببرنامج التغطية الصحية لتأمين الرعاية الطبية اللازمة في ظل ظروف النزوح القسري.
هذا التكامل بين الدعم الهندسي والاجتماعي يعكس مقاربة شاملة، تأخذ في الاعتبار أن الأزمة لا تتعلق بالحجر فقط، بل بالاستقرار المعيشي لمئات الأسر.

خطوة بنيوية: معالجة الأسباب لا النتائج فقط

في موازاة الإجراءات الطارئة، كلّف مجلس الإنماء والإعمار مكتباً استشارياً متخصصاً بإعداد دراسة شاملة لتقييم وضع البنى التحتية في طرابلس، ولا سيما شبكات المياه والصرف الصحي ومياه الأمطار. الهدف هو تحديد مكامن الخلل البنيوي التي قد تكون سبباً رئيسياً في تدهور أساسات المباني، ومعالجتها وفق خطة علمية متكاملة تمنع تكرار الأزمة مستقبلاً.
هذه الخطوة تمثل تحوّلاً مهماً من سياسة رد الفعل إلى مقاربة استباقية تعالج جذور المشكلة.

بين الطارئ والاستراتيجي

أزمة الأبنية المتصدعة في طرابلس تختصر سنوات من الإهمال والتراكمات، لكنها تفتح أيضاً نافذة لإعادة التفكير في التخطيط العمراني وإدارة المخاطر في المدن القديمة. فالمعالجة الحالية، رغم أهميتها، تبقى جزءاً من مسار أطول يتطلب تمويلاً مستداماً، ورقابة هندسية دورية، وتحديثاً شاملاً للبنى التحتية.
اليوم، وبعد إخلاء عشرات الأبنية وتأمين مئات العائلات، تبدو الدولة أمام اختبار القدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة تأهيل المدينة، بما يحفظ سلامة سكانها ويصون نسيجها العمراني والتاريخي.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us