جلسة حكومية على وقع “تسوية النقل” والجدل الضريبي

لبنان 26 شباط, 2026

عشية الجلسة الحكومية في السراي، عقد رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعًا ضمّ وزير المال ياسين جابر، ورئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، ورئيس اتحادات النقل البري بسام طليس، في محاولة لاحتواء موجة تحركات نقابية كانت تتجه نحو التصعيد.

الاجتماع انتهى إلى اتفاق يقضي بمنح تعويض شهري لسائقي السيارات العمومية الشرعية العاملة على البنزين، مقابل التزامهم بالتعرفة الرسمية وعدم تعديلها. وعلى أثر ذلك، أُعلن تعليق التحرك الذي كان مقررًا، على أن يُصار إلى متابعة التنفيذ العملي للاتفاق. خطوة هدفت إلى تبريد الشارع النقابي في لحظة حساسة، لكنّها في الوقت نفسه فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول آلية التمويل وعدالتها.

“تنفيسة” سياسية قبل الجلسة

وزير المال شدّد بعد الاجتماع على أنّ الحكومة تعمل على إعداد مشروع إصلاح ضريبي متكامل، سيتم إحالته إلى المجلس النيابي فور إنجازه، مع إعادة النظر في الضريبة على القيمة المضافة وعدم التمسك بالصيغة السابقة المطروحة. هذا الموقف اعتُبر بمثابة “تنفيسة” سياسية قبيل جلسة مجلس الوزراء التي يتصدّر جدول أعمالها بند تفعيل تحصيل الإيرادات، ولا سيما من مكافحة التهرب الجمركي والضريبي، وتسوية إشغال الأملاك العامة، ومتابعة ملفات المقالع والكسارات، إضافة إلى التدقيق الجنائي في عدد من الوزارات والإدارات.

غير أن أوساطًا متابعة تشير إلى أن هذه البنود طُرحت سابقًا من دون ملفات تنفيذية واضحة، ما يثير تساؤلات حول جدية المسار الإصلاحي وما إذا كان قائمًا على رؤية محلية خالصة أم متأثرًا بإرشادات خارجية، خصوصًا مع الحديث عن دور خبراء أوروبيين وملاحظات مستمرة من صندوق النقد الدولي بشأن مشاريع القوانين المالية والمصرفية.

تعليق التحركات… ولكن

التحركات النقابية التي كانت مرتقبة بمشاركة روابط الأساتذة والعسكريين المتقاعدين والاتحاد العمالي العام شهدت تراجعًا ملحوظًا بعد اللقاء الحكومي. كما أُعلن تأجيل تحرك كان مقررًا في ساحة رياض الصلح، لأسباب تنظيمية ومناخية، مع التأكيد أن التأجيل لا يعني التراجع عن المطالب، بل يأتي في إطار الحفاظ على وحدة الموقف النقابي والتحضير لتحركات لاحقة أكثر تنظيمًا.

في المقابل، دعا بسام طليس السائقين العموميين الشرعيين إلى الالتزام بالتعرفة الرسمية الصادرة عن وزير الأشغال، مشددًا على أن التعويض سيُمنح فقط للمسجلين أصولًا والمستوفين للرسوم القانونية، في محاولة لتنظيم القطاع وضبط أي فوضى محتملة.

اعتراضات من القطاع العام

القرار لم يمر من دون انتقادات. فقد علّق “تجمع روابط القطاع العام – عسكريين ومدنيين” على آلية تخصيص المساعدة، متسائلًا عن مصدر التمويل وسرعة إقراره، في وقت تُواجه مطالب تصحيح رواتب الموظفين والمتقاعدين بذريعة غياب الاعتمادات. واعتبر التجمع أنّ أي إنفاق خارج إطار خطة شاملة وموحدة يثير شبهات الاستنسابية ويكرّس خللًا في إدارة المال العام.

كما جدّد رفضه لرفع الرسوم على البنزين أو زيادة الضريبة على القيمة المضافة، محذرًا من انعكاسات تضخمية مباشرة على المواطنين، ومؤكدًا أن رواتب القطاع العام ومعاشات المتقاعدين هي حقوق مكتسبة وليست منّة.

قراءة اقتصادية: أزمة تمويل أم أزمة إدارة؟

الخبير المالي والاقتصادي الدكتور نسيب غبريل رأى أن لا خلاف على الحقوق المكتسبة، لكن الإشكالية تكمن في طريقة التمويل. وأوضح أن أي تعديل على الضريبة على القيمة المضافة يحتاج إلى مسار تشريعي في مجلس النواب، مستبعدًا أن يحظى بموافقة سريعة في مناخ انتخابي حساس. كما أشار إلى أن الكلفة الفعلية للزيادات غير واضحة، ما قد ينعكس عجزًا إضافيًا في الموازنة إذا لم تُحدد مصادر تمويل مستدامة.

وطرح غبريل بدائل، من بينها إعادة هيكلة القطاع العام وإقفال مؤسسات وصناديق انتفى دورها، إضافة إلى الاستفادة من ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان بدل اللجوء إلى فرض ضرائب جديدة تزيد الضغوط المعيشية.

الاتحاد العمالي: “إزاحة عبء عن الفقراء”

من جهته، اعتبر رئيس الاتحاد العمالي العام أنّ التراجع عن زيادة الضريبة على القيمة المضافة يشكّل انتصارًا لكل فئات الشعب، مؤكدًا أنّ الاتحاد سيبقى في موقع الدفاع عن العمال وذوي الدخل المحدود، وأن أي بحث في الرسوم يجب أن يرتبط بتأمين مصادر تمويل عادلة لا ترهق الفئات الأضعف.

بين التسوية والاختبار

ما جرى في السراي يمكن اعتباره تسوية موضعية لتفادي انفجار اجتماعي آني، لكنه في الوقت نفسه يضع الحكومة أمام اختبار أكبر: هل تنجح في صياغة إصلاح ضريبي شامل وعادل يوزع الأعباء بإنصاف، أم تبقى المعالجات جزئية وموسمية تُنتج اعتراضات جديدة في كل محطة؟

الجلسة الحكومية اليوم ستكون مؤشرًا أوليًا على اتجاه البوصلة: إما مسار إصلاحي واضح المعالم، أو استمرار سياسة الترقيع التي تؤجل الأزمات ولا تعالج جذورها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us