حرب الشّرق الأوسط: أوروبا تمشي على حافّة الهاوية

لبنان 8 آذار, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

الحرب المفتوحة في الشّرق الأوسط، الّتي تصاعدت وتيرتها منذ الثّامن والعشرين من شباط الماضي، بين القوّات الأميركيّة والإسرائيليّة من جهة، وإيران من جهة أخرى، وضعت أوروبا في موقع غامض وحاسم في آن. فبينما تشنّ واشنطن، بدعم من تل أبيب، ضربات مكثّفة لإضعاف القدرات العسكريّة الإيرانيّة، أعادت بعض العواصم الأوروبيّة تأكيد تضامنها التقليديّ مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، في حين اختارت أخرى مسارًا أكثر حذرًا، لا بل لجأت إلى توجيه الانتقادات أحيانًا.
في حديث مع موقع Ici Beyrouth، يشير الجنرال دومينيك ترينكان، الرّئيس السّابق للبعثة العسكريّة الفرنسيّة لدى الأمم المتّحدة، وخبير العلاقات الدوليّة، إلى نقطة جوهريّة: “في البداية، لم تشارك أي دولة أوروبيّة في العمليّة الإسرائيليّة الأميركيّة الّتي أُطلقت في شباط”. بمعنى آخر، لا تتصرّف أوروبا اليوم في إطار هجوميّ، بل تتفاعل تدريجيًّا لحماية مصالحها.

خيارات متباينة
بدأت دول متعدّدة بتحديد موقفها من النّزاع، على الصّعيديْن السياسيّ والعسكريّ. وفق الجنرال ترينكان، يتصرّف الأوروبيّون، لا سيّما البريطانيّون، والفرنسيّون، والألمان، “معًا، وفي الوقت عينه، وبشكل مختلف أيضًا”. يتصرّفون معًا لأنّهم يسعون إلى حماية قواعدهم، ورعاياهم في الشّرق الأوسط، ويتصرّفون باختلاف لأنّ كل دولة تتحرّك بحسب اتّفاقاتها الثنائيّة، ومصالحها الاستراتيجيّة الخاصّة.
ترتبط فرنسا، على سبيل المثال، باتفاقيّات دفاعيّة مع قطر، والكويت، والإمارات. وفي هذا الإطار، عزّزت مؤخّرًا وجودها العسكريّ في الإمارات، عبر مضاعفة عدد مقاتلات رافال المنتشرة هناك. وقد تمركزت فرقاطة بالفعل في المنطقة، وأُرسلت أخرى قرب سواحل قبرص، بانتظار وصول المجموعة البحريّة الجويّة المحيطة بحاملة الطّائرات شارل ديغول. ويشير الجنرال ترينكان: “نحن هنا أمام وسائل دفاعيّة، وليس مشاركة في الهجوم”. كما يذكّر بأنّ طائرة مسيّرة بلغت قبرص مؤخّرًا، وهي دولة عضو في الاتّحاد الأوروبيّ، ما يثبت أنّ التّهديد يمكن أن يطال الأراضي الأوروبيّة مباشرة.
اعتمدت المملكة المتّحدة موقفًا مشابهًا: عدم المشاركة في الضّربات ضدّ إيران، مع السّماح باستخدام طائرات أميركيّة من بعض قواعدها، خصوصًا في قبرص، ودييغو غارسيا في المحيط الهنديّ. أما برلين، فتقدّم دعمًا سياسيًّا إلى التّحالف الأميركي الإسرائيليّ مع تجنّب أي مشاركة قتاليّة مباشرة.
مع ذلك، تكشف هذه الاستراتيجيّة عن خطوط انقسام واضحة. تقدّم بعض الدول، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، التّضامن الاستراتيجيّ مع واشنطن، بينما تؤكّد دول أخرى على الحدّ الصّارم من انخراطها، وعدم الانجرار لأي تكلفة غير محسوبة.

إسبانيا: الاستقلاليّة مطلوبة
تجسّد الحالة الإسبانيّة المثال الأبرز. فقد رفضت حكومة بيدرو سانشيز استخدام القواعد الأميركيّة في روتا، ومورون، للقيام بأي عمليّات مرتبطة بالنّزاع مع إيران. وتستند إسبانيا إلى احترام القانون الدوليّ، والاتفاقيّات الثنائيّة المنظّمة، في استخدام هذه المنشآت.
ويشير الجنرال دومينيك ترينكوند إلى انسجام هذا الموقف مع الخطّ المعتمد من إسبانيا في خلال حرب غزة، حيث تميّز موقفها بقربها المعلن من الفلسطينيّين. “منع الإسبان الأميركيّين من استخدام أي وسائل في إسبانيا، ومن هنا جاءت ردّة فعل دونالد ترامب”، يوضح الجنرال.
لم تتأخّر ردّة فعل الرّئيس الأميركيّ، إذ وصف إسبانيا في خلال مؤتمر صحفيّ في البيت الأبيض، إلى جانب المستشار الألمانيّ فريدريك ميرتس، بأنّها “حليف سيّئ للغاية”، وأعلن نيّته “قطع جميع العلاقات التجاريّة مع إسبانيا”. ورغم أنّ التّهديد مثير من النّاحية السياسيّة، إلا أنّه معقّد من النّاحية القانونيّة، إذ تخضع التّبادلات التجاريّة في الغالب لصلاحيّات الاتّحاد الأوروبيّ.
بعيداً عن الصّراع الثنائيّ، تسلّط هذه الأحداث الضّوء على توسّع الشّرك عبر الأطلسيّ: إلى أي حدّ يمكن أن يبتعد حليف أوروبيّ عن الاستراتيجيّة الأميركيّة من دون دفع ثمن دبلوماسيّ أو اقتصاديّ؟

تأثير المرتدّ وخطر التّصعيد
حذّرت طهران من تعرّض أي دولة تشارك في العمليّات ضدّها، لردود انتقاميّة. هل يتعيّن إذاً أخذ هذه التّهديدات على محمل الجدّ؟ تهدف الأخيرة، كما يوضح الجنرال ترينكوند، إلى الرّدع وإظهار القوّة على الأغلب، من دون أن تخلوَ من المخاطر. بمعنى آخر، حتى لو شكّلت التّصريحات نوعًا من أنواع العرض الاستراتيجيّ، فقد تترتّب عليها تأثيرات حقيقيّة، في حال حدوث انزلاق أو سوء تفسير؛ وقد يؤدّي منطق التّصعيد إلى انجرار بعض الدول نحو ردود انتقاميّة غير مباشرة، من دون أن تنوي إيران بالضّرورة مواجهة أي قوّة أوروبيّة تتدخّل دفاعيًّا.
ويصف الجنرال “تأثير المرتدّ”: إذا هاجمت إيران وسائل أوروبيّة، ستجد هذه الدول نفسها في موقف الدّفاع المشروع، وقد تردّ بالمثل. “يدفع هذا الموقف الإيرانيّ الدول نحو التّحالف ضدّ إيران، رغم أنّها لم تكن جزءًا منه في البداية”، بحسب الجنرال.
مع ذلك، يستبعد ترينكوند احتمال اندلاع حرب أوسع، مؤكّدًا بقاء مركز النّزاع في الشّرق الأوسط. ويشير إلى أنّ روسيا منشغلة بالحرب في أوكرانيا، ولا تستطيع التدخّل أكثر، بينما تكتفي الصّين بالمراقبة الدّقيقة، خصوصًا متابعة استخدام الأسلحة الأميركيّة، من دون نيّة واضحة في التدخّل المباشر، باستثناء دعم محتمل في مجال الحرب الإلكترونيّة.
في الجوهر، تفضح الحرب الحاليّة محدوديّة الاستقلاليّة الاستراتيجيّة الأوروبيّة: تفضح اعتماد أوروبا على واشنطن، وتفضح تباين المواقف الداخليّة بين الدول الأعضاء، وتفضح أيضًا حدود قدرتها على اتّخاذ قرارات مستقلّة. تتقدّم العواصم الأوروبيّة على خطّ دقيق: حماية مصالحها وحلفائها، من دون الانجرار إلى حرب لم تشعلها، ولم ترغب بها.
ويبقى السّؤال الأساسيّ: هل ستتمكّن أوروبا من الحفاظ على هذا التّوازن في حال تفاقم النّزاع؟ إذ يشير ترينكان، ضمنيًّا، إلى أنّ أي هجوم مباشر على مصالح أوروبيّة، قد يحوّل موقف هذه الأخيرة الدفاعيّ، تلقائيًّا، إلى انخراط فعليّ في القتال.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us